{سورة الأنفال مدنية، الآيات : 43، 44}


  بسم الله الرحمن الرحيم
{إذ يُريكهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلّم إنه عليم بذات الصدور، وإذ يُريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور}.

ملخص معاني الآيتين:

نصر الله تعالى المؤمنين يوم بدر بوجهين آخرين، الأول: أرى النبي · في المنام قلة عدد المشركين، فأخبر أصحابه عنه، فارتفعت معنوياتهم، فلو أرى المشركين كثيرين لانخفضت معنويات المسلمين، واضطربت صفوفهم وتنازعوا في قتال المشركين، لكنه سبحانه وتعالى لم يفعل ذلك لعلمه بما في قلوب الناس، بل ربط على قلوبهم.
والثاني: جعل كل واحد من الفريقين أقل عددا في عيون الفريق الثاني. فحصلت للمؤمنين فوائد جمة، ومن أهمها تنفيذ ما قدّره الله تعالى من انتصار المسلمين على المشركين، فعُلم أن الأمور جميعها في قبضة الله تعالى وقدرته، فلا يتحقق شيء ما لم يرده الله، وترجع إليه الأمور كلها.

سؤالان:

معاني الآيات واضحة لا غموض فيها، لكن يرد هنا سؤالان، الأول: لاشك أن رؤية الأنبياء حق، فما معنى رؤية جند المشركين أقل رغم كونه أكثر؟ الثاني: قال في هذه الآية {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويُقلّلكم في أعينهم} أما في آية آل عمران ففيها: {يرونهم مثليهم} فكيف الجمع بينهما؟
وللرد على السؤال الأول نقول: لاشك أن رؤية الأنبياء حق، لكن الرؤية ذاتها ليست بمقصودة، بل المقصود تعبيرها، وكانت هذه الرؤية صادقة باعتبار تعبيراتها المتنوعة التالية:
1- معنى قلة المشركين هزيمتهم، وهي تحققت يوم بدر.
2- معنى قلة المشركين : ضعفهم في القتال، فكانوا كذلك، تزلزلت أقدامهم رغم شجاعتهم وتجهُّزهم بأفضل سلاح. ألقى الله في قلوبهم الرعب، واضطربت صفوهم وانتشرت، وضعفت معنوياتهم، أخذهم المسلمون وذبحوهم مثل النعاج.
3- معنى قلة المشركين : المشركون الذين ماتوا على الكفر، لأن أكثرهم دخلوا في الإسلام فيما بعد، وما مات منهم على الكفر إلا القلة، وهؤلاء رآهم النبي · في المنام.
4- الجُبناء مهما كان عددهم وعُدتهم، يبدون أقل، والشجعان رغم قلة عددهم يبدون أكثر، فمعنى إراءة عددهم أقل : الإشارة إلى جُبنهم، وأنهم لا يتشجعون على القتال، فكانوا كذلك يوم بدر.
وعلى كل حال، يُرى للرجل في المنام مشهداً ثم يُشار إلى نتيجته. قال أهل التعبير: رؤية الحرائق في المنزل أيام الشتاء دليل على أنه سينال ذهبا، فمن رأى حريقا ثم وجد ذهبا، قلنا: كانت رؤيته صادقة. وكان النبي · قد فسّر اللبن بالعلم والقميص بالدين. فبناءً عليه نقول: كانت رؤياء النبي · صادقة، والجميع شاهدوا تعبيرها بعيونهم. وهنا نسرد شيئا من نصوص أهل التفسير حول الموضوع:

كلام بركة:

قال الشاه عبد العزيز رحمه الله:
رأى النبي · المشركين في المنام قليلين، ثم رآهم المسلمون كذلك عشية القتال، لكي يتشجعوا لقتالهم، ولم تكن رؤياه · كاذبة، لأن الذين بقوا منهم على الكفر والشرك كانوا قليلين، وأكثرهم دخلوا في دين الله فيما بعد. (موضح القرآن)

بيان العثماني:

ويمكن أن يكون تعبيرها الإشارة إلى هزيمتهم بإراءتهم أقل. (التفسير العثماني)

كلام الرازي:

«قلنا: مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وأيضاً لعله تعالى أراه البعض دون البعض». (التفسير الكبير)
يُعلم مما ذكره الرازي أن النبي · لا يرى في المنام إلا ما يكون، فمنامه لا يخالف واقعه.

تحقيق الحقاني:

الجواب: كانت الرؤية المذكورة بناء على قوتهم وشجاعتهم، فكانوا كذلك، ولم تكن بناء على جهل وخطإ. فقد أرى الحقائق لعيون لا ترى إلا الحقائق. فحس المرء قد يخطئ، والله سبحانه وتعالى قادر مطلق، وقُوى الإنسان كلها في قبضته وقدرته، هذا الذي يحدث في الليل والنهار، فقد يجعل شيئا في عين شخص طيبا، ويجعله في عين غيره كريها. حتى إنه إن قرّر انهيار دولة وشعب فإنه يجعل عدوه قليلا في عينه، ويشجّع العدو على محاربته، حتى يتحاربان، وتزول دولتهم. فمسبب الأسباب كل يوم في شأن، لاحظوه إن تملكون عيونا باصرة. (التفسير الحقاني)

البيان الأندلسي:

«وتظاهرت الروايات أنها رؤيا منام رأى الرسول · فيها الكفار قليلاً فأخبر بها أصحابه، فقويت نفوسهم وشجعت على أعدائهم. وقال النبي · لأصحابه حين انتبه: «أبشروا لقد نظرت إلى مصارع القوم» والمراد بالقلة هنا: قلة القدرة والبأس والنجدة وأنهم مهزومون، مصروعون، ولا يحمل على قلة العدد، لأنه · رؤياه حق، وقد كان علم أنهم ما بين تسعمائة إلى ألف». (البحر المحيط)

جواب السؤال الثاني:

وأما الجواب عن السؤال الثاني فالآية مرتبطة بالأحوال التي كانت عند بدء القتال، بأن كَحَلَ اللهُ عيون المسلمين بكحل النصر حتى امتلأت قلوبهم بالشجاعة والقوة، وأذل الله جنود المشركين في عيونهم فرأوهم أقل وأضعف. ومن جهة ثانية، جعل الله في عيون المشركين ملح النخوة والغفلة بحيث ما رأوا المسلمين إلا أقل من عددهم الحقيقي، وترتَّبَ عليه قتال المسلمين بشجاعة بالغة سعيا منهم لنيل مأربهم الأسمى، إذ رأواهم أقل مما سمعوا عنهم، أما المشركون فقاتلوا بمشاعر النخوة والحماس واللامبالاة بعدما زعموا هدفا سهلا.
هذا كان بيانا لحالاتهم عند بدء القتال، وأما ما ورد في الآية الثالثة عشر من سورة آل عمران فكان بيانا لما حدث أثناء القتال ووسطه، أن المسلمين رأوا المشركين ضعفين، لكن ذلك لم يؤثر عليهم سلبا، لأنهم كانوا قد تمكنوا من إحكام سيطرتهم على ساحة القتال، والمشركون رأوا المؤمنين أكثر منهم عشرة أضعاف، فأصيبوا بالذُعر واضطربوا وتزلزت أقدامهم، وعرفوا أن حساباتهم كانت خاطئة. أما زيادة أعداد المسلمين في عيون المشركين فكان بسبب الملائكة الذين شاركوا في القتال إلى جانب المسلمين، أو لإحكام سيطرتهم على القتال.

بيان ابن كثير:

«فلما التحم القتال، وأيّد المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه، كمال قال تعالى: {قد كان لكم...} الآية».

البيان العثماني:

فلما هاجم المسلمون على المشركين بكل شجاعة وحماس، وأمدهم الله بجنود من الملائكة، رآهم المشركون مثلَيهم، كما في آل عمران. (التفسير العثماني)

البيان القرطبي:

كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جزور خذوهم أخذاً واربطوهم بالحبال، فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا كما قال : {يرونهم مثليهم رأي العين}. (آل عمران) (القرطبي)

التحقيق النسفي:

قيل قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء ثم كثّرهم فيما بعده ليجترءوا عليهم قلة مبالاة بهم ثم تفجأهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا. (المدارك)

قول آخر:

قال بعض أهل العلم: جعل الله المسلمين أقل في عيون المشركين، لأنهم كانوا كذلك في الحقيقة.

نصر عجيب:

قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قلت لإنسان كان بجانبي يوم بدر: أتراهم سبعين؟ فقال: هم نحو مائة. (القرطبي)
وفيه: «ثم أسرنا مشركا، فقلنا له: كم أنتم؟ فقال: ألف».
لاشك إن كان نظر المرء على الله، والقلب خالياً عن خوف الموت، والمعنويات عالية، رأى قوة الأعداء هينة هشاً. والواقع إن ذلك لا يمكن إلا بنصر الله،  ألقى قوة خاصة في قلوبهم.
وفي تفسير الفرقان:
لمّا وصل الإمام أحمد بن حنبل إلى طرسوس، وبلغ إليه الوالي إبراهيم بن مصعب، قال: ما رأيت أحداً أجرأ بين يدي الملوك من أحمد بن حنبل.
وقال: «يومئذ ما نحن في عينيه إلا كأمثال الذباب».
وقد صدق، إذ لا يقيم من ملأ عينيه بجلال الله وعظمته وزناً لدُمىً خُلقت من صلصال من حمإ مسنون، تحمل على أكتافها حديداً مصقولا (سلاحا) أو تُزَيِّن صدرها بالذهب والفضة.

ترتيب إلهي خاص بالمجاهدين:

ضرب الله تعالى مثالا بغزوة بدر، وأشار إلى أن ما من مسلم خرج للجهاد في سبيل الله متوكلا عليه، لا يخرج إلا لنصر الإسلام وكسر شوكة الكفر والشرك إلا أقام الله له ترتيبا معينا.
فمن العادة أن يرى المرء الأشياء كما هي، لا يرى الواحد إلا الواحد، والاثنان لا يراهما إلا الاثنين، لكن للجهاد أحوال مختلفة، يرى الألف سبعين فقط، ويرى ثلاثمائة ألفين. ثم إن الملائكة خُلقت للتسبيح والتهليل وللقيام بالأعمال التكوينية، لكنها تُشارك في الجهاد مع عمائمها. وثالثا: لا يقترب النوم من العين أثناء الخوف، لكن المجاهدين يتلذذون بالنوم أثناء القتال، ويجددون عقولهم ونفوسهم. فباختصار، سخر الله تعالى جميع الأشياء لخدمة المجاهد، وأنشأ له ترتيبا خاصا مختلفا عن المألوف من السماء إلى الأرض، حتى إن صحابة رسول الله · لمّا خاضوا المياه بخيولهم جهاداً في سبيل الله لم تصبهم الماء إلى أقدامهم.
يا أيها المسلم ... أما أدركت معنى الجهاد حتى الآن؟ فهيّا للجهاد.
(والله أعلم بالصواب)