بسم
الله الرحمن الرحيم
{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم
فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تُفلحون}.
ملخص معاني الآية:
أشار فيها إلى أهمية الثبات عند الزحف،
والإكثار من الذكر، فهما من مفاتيح الظفر في القتال.
الأقوال ومراجعها
كلام بركة:
قال الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى:
إن طلبتم نصر الله وتأييده، فعليكم الثبات أمام
العدو والإكثار من ذكر الله وطاعة الأمير واتحاد الهدف، وعدم الاعتماد على الأسباب
الظاهرة. (موضح القرآن)
كلامه هذا قد أحاط بجميع مضامين الآية الكريمة
باختصار، أولها أن الظفر لا يحالف الجهاد ما لم ينصره الله ويؤيده، فإن رغب
المجاهدون في نصر الله وتأييده فعليهم الاهتمام بالأمور الأربعة الآتية:
الأول: بالثبات بأن يشتاق القلب إلى لقاء الله
... مفعما بالحماس لرفع كلمة الله والجهاد في سبيله، بعيدا عن حب الدنيا والخوف من
الموت، فالثبات في الميدان لا يمكن بدون قوة القلب واستقامته على الحق.
الثاني: ذكر الله... بحيث لا يفتر لسانه وقلبه
عن ذكر الله، ولا تزل قدمه إلى معصيته، كما يحافظ عليها بالدعاء واليقين بوعده،
وذكر الله يجب أن يتحكم على قلبه وعقله وأعضاء بدنه بالصدق والإخلاص بحيث يمنعه من
معاصيه، ويحثه على طاعاته، ويمتلئ قلبه بنور وجلال وجهه بحيث تُرى لعيونه جيوش
الكفر هينة هشاً.
الثالث: طاعة الأمير... يتقوى بها القلب، وبها يمكن
المحافظة على وحدة صفوف المجاهدين، فيد الله على الجماعة، ولا جماعة بدون أمير.
الرابع: اتحاد الهدف، بأن يحارب الجميع لهدف
واحد وغاية واحدة، وهي رضا الله سبحانه وتعالى، ورفع راية الإسلام خفاقة في
السماء، وليس لشيء تافهٍ من متاع الدنيا وذيع الصيت والاشتهار. (والله أعلم
بالصواب)
الربط بين الآيات:
في الآيات السابقة كان الأمر بالجهاد، وفي هذه
الآيات تعليم طريقة الجهاد، في الآيات السابقة كان بيانا لغزوة بدر، وفي هذه
الآيات تعليم آداب الجهاد وأساليبه وفق ترتيبات بدر.
في الآيات السابقة كان بيانا لنصر الله تعالى
للمجاهدين، وفي هذه الآيات بيان لطُرق اكتساب النصر الإلهي، وهذا الربط الأخير
ذكره الشاه عبد العزيز فيما سردنا من عبارته، أما غيرها من وجوه الربط فلما تأتي
من كلام أهل العلم.
1- قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى:
«اعلم أنه تعالى لمّا ذكر أنواع نعمه على
الرسول وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين
نوعين من الأدب: الأول: الثبات، وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها
بالتولي. والثاني: أن يذكروا الله كثيرا. (التفسير الكبير)
2- وقال الإمام التهانوي رحمه الله:
فيما سبق ذكر وقائع بدر، وفيما تأتي يُعلّم
المؤمنين الآداب الظاهرة والباطنة لمثلها من وقائع القتال. (بيان القرآن)
3- وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:
هذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب
اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء.
اثبتوا إذا لقيتم الأعداء:
الحكم الأول الثبات عند الزحف، لأن الحالات
التي استدعت فرضية الجهاد على الأعيان منها: إذا التقى الصفان.
إذا اصطف الجيشان، جيش المسلمين وجيش أعداءهم،
ولتفهيم معنى الحكم المذكور استشهد أكثر المفسرين بالحديث الآتي:
وقد روى عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن
النبي · انتظر في بعض غزواته حتى مالت الشمس، ثم قام خطيبا، وقال:
«يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا
الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». (رواه
البخاري ومسلم)
ثم دعا قائما فقال:
«اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم
الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم».
وقد أورد الإمام أبو بكر الجصاص الأحكام
الشرعية المتعلقة بكلمة «اثبتوا»، فمن شاء فليرجع إلى كتابه «أحكام القرآن».
الإكثار من الذكر أثناء القتال:
لا شيء أفضل وأنفع من ذكر الله تعالى أثناء
القتال لاستنزال نصر الله، والثبات في ساحة القتال والارتباط بالله تعالى، لكن ما
المراد من «ذكر الله» في الآية الكريمة؟ سوف نسرد أقوال أهل العلم الغالية التي
تزيد في الإيمان بعد الإشارة إلى ثلاث نكات مهمة:
1- لقد دعا الله تعالى عباده المخصوصين إلى
الجهاد في سبيله، فاستجابوا لنداء ربهم رغم قلة عددهم وعُدتهم، ففرح الله بهم،
فكأنّه قال لهم : يا عبادي دعوتكم فاستجبتم دعوتي، والآن ادعوني في الميدان أستجب
لكم، أي نصري وتأيدي ينزل عليكم ويكفيكم عن أعداءكم.
كما قال تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال}
{فلَمْ تَقْتُلُوْهُم وَلَكِنَّ اللهَ قتلهم} (والله أعلم بالصواب)
2- لا شك أن القتال فظيع، إذ فيه يفقد المرء أحاسيسه
وشعوره، يناديه الموت من كل مكان، لا تهمه إلا نفسه، وينسى كل ما كان سواها، وهنا
يُرشده الله سبحانه وتعالى إلى ذكره، والإكثار منه، وأن لا ينساه، حتى يسجل أرقاما
قياسية للوفاء والحب، وينال الكثير الكثير عنده.
قال قتادة رحمه الله تعالى:
«افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضراب
بالسيوف». (القرطبي، وابن كثير)
وقال صاحب أنوار البيان:
لا يقاتل المؤمن إلا لله، حياته ومماته لله،
فكيف يغفل عن ذكر الله عند القتال، وثواب الذكر عنده يضاعف. خاصة إن كان ظاهره
مشتغلا بالجهاد، وباطنه بذكر الله تعالى، ولسانه مشغولا في ذكر الله تعالى. فهذا
حال المؤمن الخاص به. (أنوار البيان)
قال الإمام أبو حيان رحمه الله تعالى:
«وأمرهم بذكره تعالى كثيراً في هذا الموطن
العظيم من مصابرة العدو، والتلاحم بالرماح وبالسيوف... الخ».
وهذا لأن الرجوع إلى الله تعالى لا يتم عادة
إلا في المصائب والملمات، وبذكره تزول الوحشة من القلوب، ويُستغاث بنداءه، فمن
كانت رابطته قوية مع ربه، ذكره في مواقعه كلها، حتى أثناء القتال ينسى الناس كل
شيء، ويفقدون أحاسيسهم وشعورهم: {ألا بِذِكر الله تطمئن القلوب} (الرعد 28) وقد
أخبرني بعض الشجعان البواسل أنهم يزلزلون أثناء القتال، وتغشاهم حالة قريبة إلى
الغشي والسكر.
وقد نظم بعض الشعراء أشعاراً في تلك الوضع، وما
نسي ربه حتى في أحلك الظروف. (البحر المحيط)
3- يشعر المرء بالتوحد في الملمات، فيندفع نحو
الهروب، لذلك أمر الله عباده المؤمنين بذكره في مثل هذه الظروف، لأنهم إن كانوا يذكرون
الله تعالى من أعماق قلوبهم، زال عنهم الشعور بالوحدة والغُربة، وتيقَّنَوا بأن
الله معهم، فتمتلئ قلوبهم بالإيمان والشجاعة، كما قال النبي · يُطَمِّنُ أبا بكر
عندما كانا في غار ثور: «لا تحزن إن الله معنا» ومثله قال موسى لقومه المذعورين
بعدما وجدوا أنفسهم وسط فرعون والبحر: {كلا إن معي ربي}. (والله أعلم بالصواب)
ما المراد من الذكر في الآية؟
ذكر المفسرون عدة أقوال فيه، نسردها بالتفصيل
فيما يلي لما تحتوى على نصائح ومنافع للمجاهدين:
البيان العثماني:
الذكر: يشمل الصلاة والدعاء والتكبير وجميع
أصناف ذكر الله تعالى، ويترتب على الذكر في قلب المؤمن القوة والطمأنينة، وهما من
أشد ما يحتاج إليه المجاهدون، وكانا من أعظم ما يتسلح به صحابة رسول الله ·. قال
الله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}
(الرعد) (التفسير العثماني).
البيان النسفي:
واذكروا الله كثيرا في مواطن الحرب مستظهرين
بذكره مستنصرين به داعين له على عدوكم: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم. (المدارك)
التحقيق الرازي:
وفي تفسير هذا الذكر قولان:
1- المعنى أنه يجب على المجاهدين أن يذكروا
الله تعالى في الجهاد باللسان والقلب، كما قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى
عنه:
أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم تنبيها
على أن الإنسان لا يجوز أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله.
2- المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر،
لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله. (التفسير الكبير)
بيان الجصاص:
وقوله تعالى : واذكروا الله كثيرا يحتمل وجهين،
أحدهما: ذكر الله تعالى باللسان والآخرة بالقلب، وذلك على وجهين... الخ
أحدهما: أن يتذكر ثواب الثبات ومعصية التولّي
يوم الزحف.
وثانيهما: أن يتذكر تلك الجوائز والأدلة التي
يكرم الله بها من يقاتل أعداءه إحياءً لفريضة الجهاد.
أصناف الذكر هذه كلها تساعد في الثبات والبقاء
يوم الزحف وعدم التولّي، وبها يُطلب نصر الله وتأييده وهزيمة الأعداء وخزلانهم.
ويمكن أن يراد من الذكر في الآية جميع أصناف الذكر، لأن لفظ الذكر يشمل جميعها.
(أحكام القرآن)
تحقيق القرطبي:
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال:
الأول: اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره
يعين على الثبات في الشدائد.
الثاني: اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم ...
الخ
لأن القلب يصاب بالقلق في الحرب، واللسان
بالانحراف، لذلك أمر بالذكر لكي يستقر القلب بالثقة بالله، واللسان بالذكر، وعلى
المجاهدين أن يردّدوا ما ردّده الذين جاهدوا مع طالوت.
الثالث: اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في
ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم.
وقال القرطبي بعدما سرد الأقوال الثلاثة:
والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان. (القرطبي)
البيان الأندلسي:
أورد الإمام أبو حيان الأندلسي عددا من الأقوال
في حول الذكر، لكنه ذكر رأيه قبل سردها، فقال: «وذكر أن الثبات وذكر الله سببا
الفلاح وهو الظفر بالعدو في الدنيا، والفوز في الآخرة بالثواب. والظاهر أن لا يعين
ذكر».
ثم أورد هذه الأقوال لتحديد المراد من الذكر:
الأول: أن يردّد المجاهدون كلمة «الله أكبر
الله أكبر» عند اللقاء.
الثاني: أن يدعو على العدو بلفظ «اللهم اخذلهم
اللهم دمّرهم» وما شابهها من الكلمات.
الثالث: أن يدعو بالنصر والفتح له، كما قال
جنود طالوت: {ربنا أفرغ علينا صبرا..} الآية.
الرابع: المراد من الذكر قول {وهم لا ينصرون}
وهو كان بمثابة شفرة للمسلمين في المعارك.
وكيف يكون ذلك، بصوت عال أم منخفض؟ قال الإمام
أبو حيان رحمه الله تعالى:
حكم هذا الذكر أن يكون بصوت خفي، وعند الزحف إن
أمكن مشاركة الجميع بصوت واحد لكان أولى وأفضل، إذ هو يساعد في إدخال الرعب في
قلوب في قلوب المشركين. كما جاء فيما أخرجه أبو داود أن النبي · ينكر رفع الصوت في
الجهاد والجنازة. (البحر المحيط)
ملخص الحكم:
أمر الله المؤمنين بالثبات أمام الكفار في
القتال، وبالإكثار من ذكر الله تعالى، لكي يتحقق لهم الظفر والنصر. ومعنى الذكر أن
يحفظ الله بلسانه، فمن فضله وكرمه أنه أذن لعباده بذكر اسمه، وهيّأ قلوبهم له، فإن
أراد المسلمون الظفر بالعدو، والفوز في الدنيا والآخرة، فعليهم ترسية الذكر في
قلوبهم. أما أثناء القتال فتبقى ألسنتهم طرية بالذكر وقلوبهم عامرة بعظمة الله
وجلاله، وعقولهم بالإيمان بوعد الله تعالى بالتمكين، إن فعلوا ذلك لن يتغلب الكفار
عليهم، لأن الكفار أموات لابتعاد قلوبهم عن ذكر الله، ومهما بلغ عدد الأموات فإنهم
لا يقدرون على مواجهة الأحياء. أما إن غفل المسلمون عن الذكر فالمواجهة لا تكون
إلا على أساس السلاح والعدد، وعادة يفضُل الأعداء على المسلمين في العدد والعُدّة.
ونحن في وقتنا هذا بأشد الحاجة إلى إحياء ذكر الله تعالى، لأن المسلمين ابتعدوا عن
الجهاد بسبب تخليهم عن ذكر الله تعالى، وبسبب التهاون في الذكر بعيدون عن النصر
والظفر والوحدة واتحاد الصفوف والهدف. إن أدرك المسلمون حقيقة الذكر زال من قلوبهم
رعب الأعداء، وفَتَرَ حبهم في الحياة، واشتاقوا إلى لقاء ربهم، إن صار حالهم على
ما ذكرنا، لمسوا بداخلهم غيرة تدفعهم إلى الجهاد في سبيل الله لرفع كلمته.
ومثله إن تمكن «ذكر الله» الصادق من قلوبهم، أضفى
بقوة خاصة في جهادهم، تجنبوا عن الخلافات وحب الدنيا، ويبارك لهم في أعمالهم
فيتقدمون إلى الأمام ويفظرون بالعدو. فذكر الله من إحدى نعمه الجليلة وفضله
العميمة على عباده، نسأل الله تعالى أن يجزل علينا نعمته هذه العظيمة، وأن يوفق
قلوبنا وألستنا وجلودنا وشعورنا وعظامنا ولحومنا لدوام الذكر.
اللهم أحيي قلوبنا بذكرك، ووفقنا لذكرك كل
لحظة.
