بسم الله الرحمن الرحيم
{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ
مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ
وَهُمْ كَارِهُونَ (48)}.
ملخص معاني الآية:
لقد سبق وأن اجتهدوا
لزرع الفتنة مرات عديدة قبل غزوة تبوك، وعادوا إلى بيوتهم يوم اُحد بنية إضعاف
معنويات المسلمين، وتفريق كلمتهم، كما استخدموا المكر والخداع والأذية ضد المسلمين
في مناسبات عديدة، إلى أن فتح الله على رسوله أبواب الانتصارات والفتوحات، وتغلّب
الحق على الباطل، وكل ذلك لم يعجبهم، لكنهم ما استطاعوا إلحاق الأضرار بك وبالإسلام،
وفي النهاية اضطروا إلى الإشهار بإسلامهم. ففي هذه الآية الكريمة تطمين للرسول ·
أن تدابيرهم وتآمرهم مستمرة ضدك، وقد عصمك الله منهم، فلا تغتم لما يدبرون فيما
تأتي من الأيام، ولا تحزن على تخلفهم عنك يوم تبوك، فالتخلف عن الجهاد في سبيل
الله ومعاداة الإسلام ورسوله مما جُبلوا عليه. (أنوار البيان والمظهري وغيره)
نصوص المفسرين
ليس في مصلحة المسلمين مشاركة
المنافقين في الجهاد:
«هذا أسلوب رحيم بأن
حمّل المجرم جريمته، ومن جهة ثانية طمّن المسلمين على عدم خروجهم باعتباره يضر
مصالحهم، لأن ضررهم أشد من نفعهم، ولهم آثار سلبية على العامة، يسعون إلى زرع
الفتنة والعداوات بينكم، هذا ما جُبلوا عليه، ولن يكفُّوا عنه، فإن كان هؤلاء
المنافقين خارج الميدان، فإن عيونهم لا يزالون يعملون بين أيديكم، وُكّلت إليهم
مهمة إعداد محضر تشتمل على نكات الضعف فيكم، وعند رجوعكم قدموه إلى العالم. فقد
رجع عبد الله بن اُبي بن سلول مع أصحابه يوم اُحد، ويوم الأحزاب نقض اليهود العهد،
ولحقوا بالمشركين، ويوم تبوك لم يقصّروا في شيء مما سبق ذكره، لكنكم انتصرتم بفضل
الله، وهو ما كانوا يبغضونه... فكل من أراد التهرب من الجهاد في سبيل الله، راجعوا
ماضيهم، فإن كانوا فُسّاقا منذ اليوم الأول، فلا تقلقوا من تخلفهم، إذ على خروجهم
لن تترتب نتائج إيجابية». (التفسير الفرقان)
عبارة جامعة:
لاحظوا فيما يلي ملخص
ما ذكره ابن كثير وغيره من المفسرين:
«لمّا قدم النبي · إلى
المدينة، طفق اليهود والمنافقون يخلقون الفتن له، وسعوا إلى قلب وتيرة ازدهار
الإسلام السريع بكل ما استطاعوا».
ويوم بدر لمّا سقطت
كبرى زعامات الكفر والشرك، وانتصر الإسلام بشكل مدهش، قال عبد الله بن اُبي
وزملاءه: «إن هذا أمرٌ قد توجه» أي إنه أمر قد اتخذ وجهه فلا يتوقف، فتخوّف كثير
من الناس، ونطقوا بكلمة الإسلام، وبما أنهم قد بطّنوا الكفر، لذلك تقطعوا غيظا
وغضبا كلما شاهدوا المسلمين يتقدمون ويحققون انتصارات، وباختصار إنهم جُبلوا على
المكر والفتن، وليست هذه المرة الأولى، فقد عادوا من الطريق يوم اُحد، لكنهم
أدركوا كيف يعز الحق، وكيف يذل الباطل». (التفسير الحقاني)
قول :
نقل الرازي وغيره من
المفسرين عن ابن جريج أن في الآية إشارة إلى المؤامرة التي دبّرها المنافقون
لاستشهاد النبي · «ليلة العقبة».
