بسم الله الرحمن الرحيم
{لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا
خبالا ولاْ أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سمّاعون لهم، والله عليم
بالظالمين}.
ملخص معاني الآية:
عدم خروج المنافقين مع المؤمنين للجهاد كان في مصلحة
المؤمنين، لأن هؤلاء الجُبناء الأشرار الفاتنين إن خرجوا زادوا المسلمين شراً
وخبالا، ولأشعلوا نار الفتنة بينهم، ولأرجفوا فيهم، نشروا الذعر والهلع بينهم بنشر
شائعات، وبين المسلمين من يسمع كلامهم إما لعلاقة سابقة بينهم، أو لأنهم بُسطاء،
فينفعلون بها، فكان تخلف المنافقين خيرا للمؤمنين، والله عليم بالظالمين، لا
يقدرون على الهروب منه، وسوف يعاقبون على أعمالهم.
الأقوال ومصادرها
تخلفهم خير تكوينيا:
«أي عدم خروج المشركين مع المؤمنين عاد بالنفع
إلى المسلمين باعتبار التكوين، لأنهم إن خرجوا أشعلوا نار الفتنة بين المسلمين،
نشروا الشائعات، وملئوا القلوب بالإرجاف والرعب. (التفسير الماجدي)
{خبالا} ذكروا له معاني عديدة، وقد راعيناها في
المعاني التي أسلفناها، قال الآلوسي رحمه الله:
{خبالا} أي شرا وفسادا.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عجزا وجبنا.
وعن الضحاك غدرا ومكرا.
وقال صاحب روح المعاني بعدما سرد الأقوال
المذكورة:
أصل الخبال كما قال الخازن: اضطراب ومرض يؤثر
في العقل كالجنون.
أي إن الجهاد يقتضي استقرارا قلبيا وراحة نفسية
ووحدة في الأهداف، وهؤلاء المنافقون يحرمونكم منها ويزيدونكم خبالا وفسادا.
يضعفون هممكم:
«أي لو خرجوا معكم لأضعفوا معنوياتكم بجُبنهم
وضعف همتهم، وسعوا إلى الإفساد بين المسلمين، وأرعبوكم بنشر شائعات كاذبة، فوجودهم
لم يكن ليزيد إلا شراً وخبالاً، لذلك لم يوفقهم الله تعالى للخروج، {وفيكم
سمّاعون} أي لا زال بينكم جواسيس أو بُسطاء، يسمعونهم ويتأثرون منهم. (ابن كثير).
لكن لا يمكنهم لهؤلاء الضعفاء نشر الفساد بالمستوى الذي يمكن للمنافقين، بل بقاء
هؤلاء الجواسيس والضعفاء خير من ناحية نقل المعلومات إلى رؤسائهم المنافقين من قصص
بطولات المسلمين وتضحياتهم وتفانيهم وصبرهم وهمتهم. (التفسير العثماني)
من هم السمّاعون؟
قال تعالى: {وفيكم سمّاعون لهم} ما المراد
منهم؟ ذكروا له معنيين: الأول: بعض المسلمين الصادقين البُسطاء، لا يعرفون مكامن
الأمور، فيتأثرون بكلامهم المعسول، فلو خرج المنافقون مع المسلمين، ونشروا الخبال
بينهم، لتأثروا بهم وضعفت معنوياتهم واختلفت كلمتهم. وهذا المعنى ذكره الجمهور.
وللتفاصيل ارجعوا إلى ابن كثير.
وقيل: المعنى إن بعض الناس انضموا إلى صفوف
المؤمنين بنية التجسس عليهم، ليعودوا إلى كبرائهم بما يسمعون لديكم. ففي التفسير
الماجدي:
{سمّاعون} أي المتجسسون والمتصدون لمعرفة العلل
ومكامن الأمور.
أي جواسيس الكفار (ابن عبّاس) المراد فيكم عيون
لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم (كبير عن مجاهد وابن زيد) وفيكم مخبرون لهم
يودّون إليهم ما يسمعون منكم وهم الجواسيس (معالم عن مجاهد) . (تفسير ماجدي)
{سمّاعون} إن أردنا المسلمين الذين يسمعون كلام
المنافقين، ويتأثرون به، فيرد عليه أنه كيف يمكن تواجد مثل هؤلاء بين أولئك الذين
خرجوا مع رسول الله · للجهاد؟
قال الرازي:
كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ونيتهم
في الجهاد؟
ثم رد عليه بنفسه وقال:
قلنا لا يمتنع فيمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثر
المنافقين فيهم ... أو رقة قلوب بعض المسلمين، وتأثرهم بكلامهم، أو قرابة المسلمين
ببعض المنافقين، فيحافظوا على منزلة كبراء المنافقين، ويستمعوا إليهم. (التفسير
الكبير)
اُسدد منافذ الأسماع:
فباختصار، ما من مؤمن صادق في إيمانه، يسعى إلى
الاستمرار على الجهاد، إلا وعليه سدّ جميع منافذ الأذن أمام الفتّانين. (والله
أعلم بالصواب)
أهم شيء للنجاح في الجهاد:
لقد أشار الإمام الرازي إلى أهم شيء للنجاح في
الجهاد، وقال : الابتعاد عن الخلافات البينية أهم شيء للنجاح في الجهاد، لأن
الخلافات البينية تسبب في إضعاف الجماعة، والجماعة الضعيفة تنهزم أمام العدو بكل
بساطة، حيث أكّد الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن المنافقين لو خرجوا مع
المؤمنين لزرعوا بذور الفتنة والخلاف بين المسلمين، ثم نمّوا بين كباركم بحيث
يتنازعوا ويختلفوا ويتفرقوا. (ففي عدم خروجهم خير كبير، لأن أضر شيء على الجهاد
الخلافات البينية، وهؤلاء المنافقين لن يمتنعوا عن خلق الاختلاف).
والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي،
وهو من أعظم الأمور التي يجب الاحتراز عنها في الحروب، لأن عند حصول الاختلاف في
الرأي يحصل الانهزام والانكسار على أسهل الوجوه، ثم بيّن الله تعالى أنهم لا
يقتصرون على ذلك بل يمشون بين الأكابر بالنميمة، فيكون الإفساد أكثر وهو المراد
بقوله {ولا أوضعوا خلالكم}. (التفسير الكبير)
{والله عليم بالظالمين} ذكر المفسرون عدة أقوال
في الظالمين، من هم؟ والمراد منهم في الحقيقة المنافقون، وهم الذين يتخلفون عن
الجهاد بحيلٍ كاذبة، الساعون إلى زرع الفتن بين المسلمين. وقيل: لا بل المراد منهم
جواسيس المنافقين الذين خرجوا معكم، يعلمهم الله، لكنهم لا يضرونكم، لأنهم من سفلة
المنافقين وسقطتهم.
وفي التفسير الماجدي:
{والله عليم بالظالمين} يعلمهم الله جيداً، أن
الذين لحقوا بكم من عملاء المنافقين ليسوا من أهل الرأي، فلا يضر بقاءهم بينكم.
(التفسير الماجدي)
