{سورة التوبة مدنية، الآية : 46}

بسم الله الرحمن الرحيم

{ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}.

ملخص معاني الآية:

إن المنافقين ما أرادوا الخروج للجهاد، لم تكن لديهم نية الخروج، لكن كذبوا لمّا قالوا: أردنا الخروج ولكن العذر الفلاني والفلاني يمنعنا، لأنهم لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، جهّزوا عدة الجهاد، وأحيوا حبه ونيته في قلوبهم، لكنهم ما اتخذوا شيئا، فدل على أنهم ما يريدون الخروج للجهاد، بل الحق أن الله تعالى كره انبعاثهم للجهاد بسبب نفاقهم، ولا يريد تكريمهم بشرف الجهاد، لذلك جعلهم كسالى متباطئين، وأقعدهم مع النساء والأطفال وأصحاب الأعذار.
«لا يتأهل لسفر الجهاد المبارك من لا إيمان له، بل ما استعدوا للجهاد بنيته قط، ومثل هؤلاء لا يريد الله أن يخرجوا للجهاد». (حاشية اللاهوري)

مثقفوا اليوم:

حالة طاعني الجهاد المتسترين باسم الثقافة مثل المذكورين في الآية، أنهم لا يريدون الخروج للجهاد قط، فقد تعلقت الدنيا بجذر قلوبهم، يطعنون في الجهاد كي يخفوا جبنهم، يقولون: جهاد فلان وفلان بالمنطقة الفلانية ليس وفق الشريعة، إذ هو من مسئوليات الحكومة، والحكومة هنا لا توافقه، والجهاد في الموضع الفلاني يعارض الشريعة، لأنه جهاد حكومي، إذ وكالاتها تمدهم بالعتاد والسلاح. نسأل هؤلاء ومن كان مثلهم: نفرض أن الجهاد الشرعي ابتدأ في بلد من البلاد وفق الشروط التي وضعتموها أنتم، فما هي الاستعدادات التي اتخذتموها بشأنه؟ وهل نويتم بقلوبكم للجهاد قط؟ والواقع إن مثل هؤلاء قد أخرجوا الجهاد من حياتهم، اللهم ارحم المسلمين كلهم.

معنى «عُدّة» في الآية:

قال الله تعالى: {ولو أرادوا الخُروجَ لأعدُّوا له عُدّة} فما المراد من العُدة؟ ذكر أبو حيان عدة أقوال:
(1) قال ابن عباس: عدة من الزاد والماء والراحلة.
(2) عن ابن عباس العدة النية الخالصة في الجهاد.
(3) وحكى الطبري كل ما يعد للقتال من الزاد والسلاح.
كان الناس في القديم يركبون الخيول ويستخدمون السيوف، وهي من ضرورات الحرب، أما اليوم فعتاد الحرب تَغَيَّرَ، لذلك اكتساب المهارات لاستخدام السلاح يُعتبر من «العُدّة». (والله أعلم بالصواب)

الاستعداد للجهاد فرض:

«لو سلّمنا أنهم أرادوا الخروج للجهاد، لكنهم ما خرجوا لعذرهم، هذا ليس بصحيح، لأن الاستعداد كان واجبا عليهم، ثم إن عرض لهم عذر، كان على الإمام أن يستثنيهم من الخروج، فمن يكون هؤلاء يستثنون أنفسهم من الخروج؟ لا يريدون إلا أخذ الأمور بأيديهم. وفي الحقيقة أراد الله تعالى أن يمنع هؤلاء المتخلفين عن شرف الجهاد، لذلك صاروا عُرضة للتهاون والتكاسل، وحُرموا من الجهاد». (تفسير الفرقان)
«ما أرادوا الخروج للجهاد، وإلا لأخذوا العُدّة، ولما بادروا بالأعذار الكاذبة، والواقع إن الله كره خروجهم للجهاد، لأنهم إن خرجوا خلقوا مشاكل وفتنا للمسلمين، ولمّا تخلفوا علموا أن المؤمنين لم يعبأوا بهم، ولذلك لم يوفقهم للانضمام إلى صفوف المجاهدين، ووبال امتناعهم عن الجهاد يترتب عليهم، كأنه قيل لهم تكوينا: اقعدوا مع القاعدين من النساء والأطفال والمعاقين، أما إذن النبي · لهم بالبقاء في منازلهم، فكأنه قيل لهم ذلك من الله، لذلك لا حاجة إلى التصريح بقيد «تكوينا». (التفسير العثماني)

اقعدوا..اقعدوا..

جاء في آخر الآية: {وقيل اقعدوا مع القاعدين}  من النساء والأطفال والمعاقين، هذه جملة عجيبة وغريبة تبين إهانتهم وحرمانهم. قال بعض المفسرين: فقد قال بعضهم لبعض: اقعدوا اقعدوا. وقيل: لمّا استأذنوا لاختلاق أعذار كاذبة بين يدي النبي ·، قال لهم النبي ·: اقعدوا. وقال بعض أهل العلم: كان أمرا تكوينيا من الله بالقعود، أي لمّا قام المؤمنون للجهاد، كانوا متسابقين إلى الجنة، متسابقين إلى التضحية بالمال والنفس، فكان المحرومون من المنافقين يناديهم بصوت موحد من ظاهرهم وباطنهم: اقعدوا اقعدوا، أي لا تحصلوا ذلك النعيم العظيم. نسأل الله الوقاية من وضع مهين كهذا، فالقعود في البيت في وقت الجهاد ليس إلا مذلة، كأنه قيل لهم: اقعدوا في قعر المذلة والهوان.
قال النسفي رحمه الله:
هو ذم لهم وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود في البيوت. (المدارك)

الآية تدعو إلى الفكر:

(1) لا ينوون الجهاد، ولا يتدربون له، ولا يستعدون، لا رغبة لهم في الجهاد، لكنهم يتكلمون بكلام كبير، أهذه طريقة المؤمن؟ تأملوا في الآية المباركة...
(2) بعض الناس يتصورون أنه لا جهاد عليهم، لا يريدون الخروج للجهاد في سبيل الله مهما كانت الظروف، فهل هذه طريقة المؤمنين؟ تأملوا في الآية المباركة..
(3) المسلمون خرجوا لغزوة تبوك، فارق النبي · المدينة مركز الإسلام، والصحابة فارقوا المسجد النبوي الشريف، ومدرسة الصفة، كانوا يقومون بالتربية والتعليم والتزكية وإصلاح النفس بالمدينة المنورة، والآن يتركونها ويتوجهون إلى تبوك للجهاد، لأي نوع من الجهاد يريدون؟ ورد في الآية الكريمة ذكر غزوة تبوك صراحة، والسفر هنا سفر الجهاد والحرب، في تلك الظروف كل من أراد البقاء بأرض المدينة، توعّدهم الله بالعذاب، وأن الله لا يحبهم. لاحظوا اليوم أحوال المسلمين، فقد فصلوا الجهاد عن حياتهم لأمور صغيرة، هل يجوز لهم ذلك؟ تأملوا في الآية المباركة.

رسالة الآية الكريمة:

كل من لم ينو الجهاد بالصدق، ولم يستعد له، ثم قدّم أعذراراً وحِيَلاً كاذبة ليبتعد عن الجهاد، فذلك منافق، إذ لا يفعل ذلك إلا المنافقين، اللهم قنا مرض النفاق.

�ة الثانية منهم، قالوا إن خرجنا معكم لا يمكننا إنجاز شيء، لأننا نخاف أن نُفتن بنساء الروم. (حاشية اللاهوري رحمه الله)