{سورة التوبة مدنية، الآية : 50}

بسم الله الرحمن الرحيم

{ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) }.

ملخص معاني الآية:

هؤلاء المنافقون يدعون الإسلام، ولكن حال عداءهم للإسلام وضلال قلوبهم أن المسلمين إن أصابهم فتح وغنيمة ونصر قلقوا، واضطربت قلوبهم حقدا وعداوة، وإن أصابتك مصيبة ظاهرة في الجهاد، أو هزيمة، فرحوا، وقالوا: لذلك لم نخرج معهم عملا بالبصيرة والعقلانية والحذر، وقد نفعتنا تلك التدابير الاحتياطية التي اتخذناها لمنع أنفسنا من الهلاك من إقامة الروابط الحسنة مع المشركين.

الأقوال ومراجعها

الاغترار بالبصيرة الوهمية:

{حسنة} أي فتح وغنيمة و{مصيبة} هزيمة أو مشقة وتعب، كما كان يوم اُحد، أي فرح المنافقون إن أصيب النبي · وأصحابه بمصيبة في الغزو من هزيمة وغيرها، وأثنوا على بصيرتهم، وقالوا: لقد اتخذنا التدابير اللازمة للوقاية من الابتعاد عن الحرب. {يتولوا} عن رسول الله · أو عن جمعه أو بعد المقولة المذكورة يعودون فرحين على ما أصاب المسلمين من مصيبة. (المظهري)

حكمة المنافقين وتدابيرهم الاحتياطية:

من سوء حظ المنافقين أنهم يفرحون على الحرمان من الجهاد والشهادة في سبيل الله، كأنهم يعتبرون وجوب النار عليهم حكمةً. قال في هذه الآية الكريمة: إذا لحقت بالمسلمين هزيمة ظاهرة قالوا: {قد أخذنا أمرنا من قبل} أي اتخذنا تدابير احتياطية لحماية أنفسنا، وما هذه التدابير؟ قال صاحب روح المعاني:
يعنون به التخلف والقعود عن الحرب والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولا وفعلا.
هذه هي حكمتهم ودهاءهم وبصيرتهم. نعوذ بالله من ذلك.

الفائز من أدّى الفريضة:

«من عموم أحوال المنافقين أن المسلمين إذا اُصيبوا بحسنة تسؤهم، وإن أصابت المسلمين مصيبة فرحوا، وقالوا: لقد استفدنا من بصيرتنا، فلم نخرج معهم. كنا علمنا أن هذه هي التي تنتج عن المعركة. يا للأسف لو أدركوا أن النجاح الحقيقي خاص بالمسلمين، لأنهم قاموا بتأدية واجبهم». (التفسير الفرقان)
ولاشك أن من السعادة الحقيقية قطع الأوصال والأعضاء أثناء تأدية الواجب، وتحصيل ملك الدنيا خسارة إن كان على حساب التخلي عن الفريضة.

مصداق الحسنة والمصيبة:

قال الإمام أبو حيان رحمه الله:
روي عن ابن عباس أن المراد من الحسنة يوم بدر، ومن المصيبة يوم اُحد. يمكن أن يكون مبنى هذا القول على التمثيل.
(أي مثال الحسنة يوم بدر، ومثال المصيبة يوم اُحد) وعلى العموم تُطلق كلمة الحسنة والمصيبة على كل خير وكل مصيبة، لكن سياق الآية وسباقها يشير إلى الخير والبلية في الجهاد. قال أهل العلم: أراد بالحسنة الفتح، وبالمصيبة الهزيمة.
قال ابن عباس: الحسنة يوم بدر، والمصيبة يوم اُحد، وينبغي أن يحمل قوله على التمثيل، واللفظ عام في كل محبوب ومكروه، وسياق الحمل يقتضي أن يكون ذلك في الغزو ولذلك قالوا: الحسنة الظفر والغنيمة والمصيبة الخيبة والهزيمة. (البحر المحيط).

نكتة غريبة:

أشار صاحب التفسير الماجدي إلى نكتة مهمة، فقال: إن الجهاد كله خير للمؤمن، لا مصيبة له فيه، أما استعمال لفظ المصيبة في الآية الكريمة، فكان من وُجهة نظر المنافقين، فإن المصيبة عندهم هي الخسارة الدنيوية...
جاء استعمال لفظ {حسنة} و {مصيبة} باعتبار وُجهة نظر المنافقين، أي نفع الدنيا المادي. (التفسير الماجدي)

عبارة رائعة:

«كان المنافقون قد جُبلوا على التأذّي عند إصابة المؤمنين بالحسنة، أما إذا لحق بالمسلمين أذى، بأن استُشهد بعضهم، أو اُصيبوا بجروح، قالوا بكل اعتزاز وفخر: لقد أخذنا الحيطة والحذر، كنا عالمين بالمصير الذي صاروا إليه، لذلك لم نخرج معهم، وباختصار يعدّون فضلهم ويثنون دهاءهم، ويضربون على صدورهم وإبطهم فرحا ومسرة، ويعودون إلى منازلهم». (التفسير العثماني)
وهذا هو أسلوب تعامل مثقفي اليوم ممن تأثّروا بالحضارة الغربية، عند انتصار المجاهدين أو الهزيمة. اللهم ارحم أمة محمد ·.

ك. (آمين)

وفي التفسير الماجدي:
كم جربوا هذه الوصفة السهلة المؤثرة النافعة المهدئة للقلب والمريحة، لا يلتفت إليها من كان محروما عن الخير. (التفسير الماجدي)
وقال القرطبي:
قيل في اللوح المحفوظ، وقيل: ما أخبرنا به في كتابه من أنّا إما أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا، وإما أن نقتل، فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا. (القرطبي)

لهم وأولادهم إلى نقمة في الدنيا والآخرة.

قال الرازي:
وذكر عبيد بن عمير ورفعه إلى الرسول عليه السلام: من كثر ماله اشتد حسابه، ومن كثر بيعه كثرت شياطينه، ومن ازداد من السلطان قربا، ازداد من الله بعدا، والأخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة، والمقصود منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها. (التفسير الكبير)

تحفتان علميتان:

ذكر الإمام الرازي بيانا مفصلا ومدهشا في تفسير الآية الكريمة وحب الدنيا، أما ابن كثير فقد أورد الآيات التي تحث على عدم الالتفات إلى أموال المشركين وتقدمهم الظاهري.
يرجى من الإخوة الراغبين، مراجعة تفسير ابن كثير والتفسير الكبير.