بسم الله الرحمن الرحيم
{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا
كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
(51) }.
ملخص معاني الآية:
لا يمتنع المؤمنون عن
العمل بأحكام الله تعالى خوفا من الوقوع في المصيبة، لأنهم يعلمون أنه لا يصيبهم
إلا ما كتبه الله لهم، فلماذا يتخلون عن الجهاد وغيره من الفرائض خوفا من الموت
والهزيمة، والله مولى المؤمنين وناصرهم، لا يقدّر لهم إلا ما كان نافعا، فإن كتب
لهم الفتح ففيه الخير، وإن كتب لهم الشهادة والإصابات فخير، وبملاحظة هذا الأصل
الأصيل يجب على المؤمنين أن يركزوا أنظارهم على ذات الله سبحانه وتعالى، وليس على
الأسباب الظاهرة والتدابير البشرية، ويتوكلوا على الله. (يختاروا الأسباب وفق
الشريعة، لكن لا يعتمدوا عليها مثل المنافقين، بل يثقوا بالله).
الأقوال والمراجع
أحوال أهل الإيمان كلها خير...
{قل لن يصيبنا إلا ما
كتب الله لنا} من العيش الكريم والخير والطيب أو البلية والمحنة والحادث، كلها
مقدّرة ومحدّدة من الله تعالى. {هو مولانا} رضينا بقضائه وقدره، والكل منه، ولا يخلو
شيء من أحوالنا من الخير، الفتح والظفر والغنيمة خير، والإصابة بالجروح خير
باعتبار الثواب والأجر، والشهداء منا على خير. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}
يفوضوا أمورهم كلها إلي الله، يرجوا الخير ورغد العيش والفضل منه، يثقوا بالله،
ولا يثقوا بغيره، قد يختارون الأسباب، لكن ثقتهم بالله، وليس على السلاح والعتاد
والقوة والطاقة، اختيار الأسباب لا يخالف التقدير والتوكل، فقد علّمنا رسول الله ·
التوكل واختيار الأسباب، وأمرنا بها، فليس على أهل الإيمان إلا أن يفعلوا ويختاروا
ما فعله الرسول · وما اختاره، لا يتركوا الأسباب ولا يتوكلوا عليها. (أنوار
البيان)
الشدائد لا تمنع المؤمن من
الطاعة:
«أي الشدة أو النعمة
تأتيان في الوقت المحدّد لهما، ولا مفر
منهما، لا حيلة في الدنيا للوقاية منها، وبما أن يقينه على الله على أنه مولاه
ظاهرا وباطنا، فقد خضعت رقابنا لله وأمام حكمه، لا تمنع الشدائد طاعته، نثق فيه،
وأنه قادر على تغيير المصيبة العارضة بالنعمة في الآخرة، وربما في الدنيا أيضاً».
(التفسير العثماني، بتسهيل)
المؤمن لا يثق إلا بالله:
قل لهم لقد توكلنا على
الله، وما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا، ولا يخلو عن خير. (حاشية اللاهوري)
لا يغلب إلا من كان مؤمنا
بالله:
«المؤمن إذا انقاد
للقضاء والقدر، رفع الله رأسه أمام المبطلين في العالم، يعلم أن شيئا لن يضره إلا
بإذن الله». (تفسير الفرقان)
أي الإيمان الجازم
بالقضاء يجعل المؤمن قويا، فلا يتخلى عن الجهاد خوفا من الموت، ولا يخاف من قوة
العدو وطاقته، يعلم أن كل شيء بيد الله، وأنه مع المؤمنين. هذه هي الحالة التي لا
يكرم الله تعالى بها المنافقين، كما سبق في الآية الماضية.
فائدة:
أشار الإمام الرازي إلى
ثلاثة معاني لقوله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} وأشار أبو حيان إلى
ثلاثة معاني لقوله: {هو مولانا}، ولمعرفة المزيد عن البحثين المفيدين نرجو مراجعة
التفسير الكبير والبحر المحيط.
نكتة عجيبة:
وفي التفسير المظهري أن
الآية الكريمة أشارت إلى أن قدر الله تعالى كله خير، لأن الله تعالى قال: {كتب
الله لنا} وكلمة {لنا} تدل على معنى النفع.
فالمعنى أن ما من شيء
كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ لنفعنا لاشك أنه بالغ إلينا، (الفتح أو
الشهادة). لم يستعمل كلمة «علينا» مكان «لنا». فدل على أنه ليس هناك ما يضرنا.
(خلاصة ما جاء في التفسير المظهري)
أي التقدير بيد الله،
وهو مولانا، فلماذا نتخلى عن الجهاد خوفا من عدو أو ظروف معينة.
تحفة عظيمة:
هذه الآية الكريمة تمثل
نعمة كبيرة وتحفة عظيمة من الله تعالى لعباده، وتسلية وبشارة، إن صيّرناها يقين
قلوبنا، تبدّد رعب قوة أمريكا وحلفائها من قلوبنا، وشاهدنا الانتصارات والفتح في
الأطراف كلها، اللهم ارزقنا إيمانا كاملا بالقدر، وهبنا اليقين، فأنت مولى
المؤمنين وناصرهم، واجعلنا ممن يتوكلون عليك. (آمين)
وفي التفسير الماجدي:
كم جربوا هذه الوصفة
السهلة المؤثرة النافعة المهدئة للقلب والمريحة، لا يلتفت إليها من كان محروما عن
الخير. (التفسير الماجدي)
وقال القرطبي:
قيل في اللوح المحفوظ،
وقيل: ما أخبرنا به في كتابه من أنّا إما أن نظفر فيكون الظفر حسنى لنا، وإما أن
نقتل، فتكون الشهادة أعظم حسنى لنا. (القرطبي)
لهم
وأولادهم إلى نقمة في الدنيا والآخرة.
قال الرازي:
وذكر عبيد بن عمير
ورفعه إلى الرسول عليه السلام: من كثر ماله اشتد حسابه، ومن كثر بيعه كثرت
شياطينه، ومن ازداد من السلطان قربا، ازداد من الله بعدا، والأخبار المناسبة لهذا
الباب كثيرة، والمقصود منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا والمنع من التهالك في
حبها والافتخار بها. (التفسير الكبير)
تحفتان علميتان:
ذكر الإمام الرازي
بيانا مفصلا ومدهشا في تفسير الآية الكريمة وحب الدنيا، أما ابن كثير فقد أورد
الآيات التي تحث على عدم الالتفات إلى أموال المشركين وتقدمهم الظاهري.
يرجى من الإخوة
الراغبين، مراجعة تفسير ابن كثير والتفسير الكبير.
