{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)}.
ملخص معاني الآية:
فالمسلمون إن عملوا بالحكم المذكور، وأحبوا
الله ورسوله، ولم يوالوا إلا المسلمين، صاروا حزب الله، وقد وعد الله بنصر حزب
الله.
من حزب
الله؟
(1) أي من فوّض أمره إلى الله، وامتثل أمر
رسوله ووالى المسلمين فهو حزب الله. (القرطبي)
(2) وقيل أي ومن يتولى القيام بطاعة الله ونصرة
رسوله والمؤمنين. (القرطبي)
قال الحسن: حزب الله جند الله (القرطبي)
وقال غيره: أنصار الله. (القرطبي)
جواب شك:
قد يقول قائل: كيف يمكن المحافظة على النفس
والمال بعد قطع الولاء عن الكفار الذين ملؤوا المعمورة بعددهم وعُدّتهم، والمسلمون
قليلون مقارنة بكثرة أعداد الكفار، وكيف التغلب عليهم في حالة الضعف وقلة العدد؟ أراد
الله تعالى تطمينهم بالآية وقال: لا تنظروا إلى الأسباب والعدد، إذ لا يكون الله
ورسوله والمؤمنون في جانب إلا وغلب على الجانب الآخر. (التفسير العثماني)
سبب ضعف المسلمين:
كلّما ثبت المؤمنون على الإيمان، واجتنبوا
المعاصي، وتوكلوا على الله، وقضوا حياتهم في ضوء الأحكام الإلهية، وجاهدوا الكفار
بإخلاص، غلبوا على أعداءهم، مع بعض الأضرار التي قد تلحق بهم بسبب سوء التدبير أو
المعاصي. ليس معنى الآية أن المسلمين لا يصابون بيد الأعداء قط، ولا يُقتل في سبيل
الله، بل معناها أن الفتح والنصر والغلبة تحالفهم في نهاية المطاف. وقد شهد
التاريخ أن المسلمين كلما تمسكوا بإيمانهم، وجاهدوا الكفار بكل إخلاص وتفان، وسعوا
إلى إعلاء كلمة الله تعالى، حالفهم الفتح، وتقدموا نحو الأمام. فقد دانت وذلت حكومات
قيصر وكسرى لهم، وسقطت بأيديهم كبرى الحكومات، وتراجع الكفار إلى الوراء. ومنذ أن
تركوا العمل بأحكام الشريعة، واندفعوا نحو معصية الله، واتخذوا الدنيا غاية
حياتهم، معلنين الولاء والوفاء والمحبة للكفار، سقطت بلادهم بأيدي الكفار، فأنشأوا
جمعية عالمية، وأدخلوا المسلمين فيها، ثم فرّقوا كلمتهم، وأخذوا الخيوط بأيديهم
يحكمون على بلادهم من وراء الستار. إن عاد المسلمون إلى إيمانهم، وسعوا إلى إنشاء
حزب الله الحقيقي والصحيح، أمكن لهم الانتصار والغلبة على العدو. (أنوار البيان)
منهج الغلبة حاضر:
لقد ذكر الله تعالى منهج الانتصار الكامل في
الآية الكريمة، بقطع العلائق مع اليهود والنصارى وأعداء الإسلام. وبإنشاء المحبة
الصادقة والوفاء في قلوبهم، يذلون للمسلمين، ويعزون على الكافرين، ويجاهدون في
سبيل الله، ولا يخافون الانتقادات التي تُوجّه نحو الجهاد، وأنشأوا أخوة إسلامية
عالمية على طاعة الله والرسول وموالاة المسلمين ونصرهم، إن فعلوا ذلك ظهروا على
العالم، وغلبوا عليه. (والله أعلم بالصواب)
المنهج ليس بصعب:
المسلمون الذين عملوا بالمنهج المذكور كانوا
مثلنا بشرا، قاموا بالهمة، صرفوا عيونهم عن الدنيا وركّزوها على الآخرة، فلو قعدوا
محتجين بالظروف الصعبة لما وصل الدين إلينا، وبقي محدوداً ببعض المدن. كانوا
ينظرون إلى حكم الله وليس إلى الظروف والأحوال، ثم يقومون متوكلين على الله،
فأظهرهم على العالم كما وعدهم به. (والله أعلم بالصواب)
الظروف لم تكن مواتية في القديم:
قلّما تجدون الظروف مواتية للعمل بالمنهج
المذكور، فالطريق إلى الجنة محفوف بالشدائد والصعوبات، من الصعب علينا تصوّر
المشاكل التي واجهها صحابة رسول الله ·، واليوم لا يصح الاحتجاج بتقدم الزمان وعدم
مقدرتنا على إنزال الهزيمة بالعدو، إذ هو كاذب وواهٍ. ما من شخص إلا وفي قلبه نفس
واحدة، تخرج بالسيف وبالقنبلة الذرّية. كانت حكومات الروم وفارس أقدر على الإضرار
بالمسلمين من مقدرة الكفار اليوم على الإضرار بالمسلمين، لذلك لا يصح القعود عن
الجهاد محبطين بما لدى الأعداء من القنابل الذرية والهيدروجينية والبيلوجية
والقوات الجوية، لا تطول بنا الحياة إن تواددنا الكفار وتخلينا عن عداءهم، فموالاة
أحد أو معاداته لا تزيد في الحياة، وعداء أحد لا يستدعي الموت قبل أوانه. (والله
أعلم بالصواب)
إلى
أين نتوجه؟
لقد انقسم المسلمون على دول وشعوب ولغات وفرق
وأحزاب وعصابات وجماعات، فإن أراد أحد العمل بالمنهج المذكور، كيف أمكن له ذلك؟
وجوابه أن الفرق والجماعات لم يكن يخلو منها عصر وزمان، فهذا ليس بابتلاء جديد،
وقبل كل شيء أصلحوا قلوبكم، أخرجوا منها حب الدنيا وحب البقاء في الأرض وحب اتخاذ
الأراضي والضيعة في الدنيا، املؤوها بفكر تغليب الإسلام على الدنيا، ثم اعرضوا
أنفسكم وقلوبكم بين يدي الله بنية صادقة، ثم اسألوا الله القبول بقلب صادق. كل ذلك
يجب أن يتم في السرّ، ولله فقط، إن فعلتم ذلك تجدون المخرج بشكل تلقائي، وتقفون
أمام الهدف والغاية. أما علامات الجماعة التي على الحق، فقد مضت في الآية 54 من
هذه السورة. والخير كل الخير في الارتباط مع أهل الدين الذين صرفوا حياتهم إلى
الجهاد. (والله أعلم بالصواب)
وصفة سهلة:
وأسهل وصفة للعمل بالمنهج المذكور هي إصلاح
قلوبنا من الرغائب، نقرر ما الذي نريده، الدنيا أم الآخرة؟ نريد مرضاة الله تعالى
أم الحياة الدنيا الزائلة ونعمتها الفانية؟ إن كنا راغبين في مرضاة الله تعالى فكل
شيء سهل، حتى الخروج وحيدا لمواجهة العالم كله سهل. لكن إن كنا طالبي الدنيا، فكل
شيء صعب، حتى فرز أربعين جزءاً من المال مرة في سنة صعب، فلمّا صار هذا العمل
السهل صعباً فكيف حالنا ببقية الأمور؟ ومثل هؤلاء يلجؤون إلى الحِيَلِ، ويستصعبون
المنهج.
اللهم قنا من شر النفس والشيطان. آمين.
لا زال البعض قائمون عليه:
لاشك أن الإسلام دين صادق، والقرآن كتاب صادق،
ولا يمكن أن يتخلى الجميع عن العمل بما ذكرنا، إذ الدنيا لا تخلو عن عباد الله
الصالحين الصادقين، والواجب علينا البحث عنهم في ضوء العلامات التي ذكرها الله
تعالى في القرآن الكريم، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم. (وما ذلك على الله
بعزيز)
