{بسم الله الرحمن الرحيم}
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)}.
ملخص معاني الآية:
إن من ألد أعداء المسلمين اليهود والمشركون،
وإن من أقربهم مودة للمسلمين الذين قالوا إنا نصارى، وذلك بأن منهم قسسين ورهبان،
وأنهم لا يستكبرون.
سبب النزول:
أخرج الطبري بسنده قال:
حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال،
حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ولتجدن أقربهم مودَّة للذين
آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة خاف
على أصحابه من المشركين، فبعث جعفرَ بن أبي طالب، وابن مسعود وعثمان بن مظعون، في رهط
من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة. فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص في
رهط منهم، ذُكر أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشيّ، فقالوا، إنه
خرج فينا رجل سفَّه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبيُّ! وإنه بعث إليك رهطًا ليفسدوا
عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون! فقدم
أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمُّوا بابَ النجاشي، فقالوا: استأذن لأولياء
الله! فقال، ائذن لهم، فمرحبًا بأولياء الله! فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال له الرهط
من المشركين: ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك؟ لم يحيوك بتحيَّتك التي تحيَّا بها! فقال
لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا: إنا حيَّيناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة!
قال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قال يقول: هو عبد الله، وكلمةٌ من الله ألقاها
إلى مريم، وروح منه، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عودًا من الأرض
فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود! فكره المشركون قوله، وتغيَّرت
وجوههم. قال لهم: هل تعرفون شيئًا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم! قال: اقرأوا! فقرأوا،
وهنالك منهم قسيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرفت كلَّ ما قرأوا وانحدرت دموعهم مما
عرفوا من الحق. قال الله تعالى ذكره:"ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول" الآية. (الطبري)
قال الشاه عبد القادر رحمه الله:
لما آذى المشركون المسلمين أمرهم النبي ·
بالهجرة، فخرج زهاء ثمانين رجلاً بعضهم مع أهلهم، وبعضهم وحدهم، حتى نزلوا الحبشة،
وكان ملكها عادلا، ولمّا علم بهم المشركون أرسلوا إليه ليغووه، وسألوا أن يطردهم
من بلده، لأنهم ينسبون العبدية إلى المسيح، فطلب الملك المسلمين، واستفسرهم عنه،
كما طلب منهم أن يقرءوا عليه شيئا من القرآن، فلما سمعوا القرآن بكى علماءهم
كثيرا، وقالوا: ما أتانا من المسيح إلا ما يطابق هذا. وأبلغنا أنه يأتي بعده نبي،
فهذا هو، فآمن الملك سراً، فنزلت هذه الآيات. (موضح القرآن)
المرونة المعلقة:
لاشك في عداء اليهود والمشركين للمسلمين،كانوا
كذلك في العصور كلها، ولا زالوا عليه، وسوف يقضي المسلمون على وجود اليهود قرب
الساعة، كما أخبرت بذلك الأحاديث الصحيحة. أما مرونة النصارى فمشروطة بثلاثة شروط:
العلم والزهد والتواضع، لأن أضدادها هي الباعثة على معاداة المسلمين من الجهل وحب
الدنيا والتكبر. وما بقي فيهم القساوسة تراجع الجهل فيهم، وما بقي الرهبان فيهم
وهم الزهاد، لم يرغبوا في الدنيا. وأشار بلفظ {وهم لا يستكبرون} إلى تواضعهم.
وكلما توفرت الشروط الثلاثة بين النصارى اقتربوا من المسلمين، وسمعوا الحق وأطاعوه،
وكلما فقدت الشروط الثلاثة عادَوا المسلمين، مثل عامة النصارى اليوم، وقد يتحالف
المسلمون والنصارى ببعض المعارك الجليلة ثم ينهار الحلف ويتحول إلى حرب. (والله
أعلم بالصواب)
قال العثماني رحمه الله:
إنما تناولت الآية بيان أحوال جماعة معينة من
النصارى، وليس كافة النصارى إلى يوم القيامة، وأن العلاقات لا تستمر على هذه
الحالة بين المسلمين والنصارى إلى يوم القيامة. الذين يتسّمون اليوم باسم النصارى،
كم فيهم من القساوسة والرهبان والمتواضعين؟ وكم فيهم من ذرفت عيناه بعدما سمع كلام
الله؟ فإذا عدم سبب المودة والمحبة في قوله {أقربهم مودة} وهو {ذلك بأن منهم قسسين
ورهبان} فكيف يوجد المسبب؟ وعلى كل حال، إن أوصاف النصارى واليهود والمشركين التي
تناولتها الآية في عهد الرسول · إن توفرت فيهم في عصر من العصور، وموضع من
المواضع، بقدر معين، تحققت فيهم المودة أو المعاداة للإسلام والمسلمين بالمقدار
نفسه. (التفسير العثماني)
ثمرات حب الدنيا:
قال الإمام الرازي رحمه الله:
كان كفر النصارى أشد من كفر اليهود، لفساد
عقيدتهم في ذات الله تبارك وتعالى. لكن الله تعالى أكّد على شدة عداءهم للمسلمين،
لابتلاءهم الشديد بحب الدنيا، ومن هنا عرفنا أن حب الدنيا السبب الأكبر لملعونيتهم
الشديدة، ويحذّر منه قول النبي · الآتي:
حب الدنيا رأس كل خطيئة. (ملخص التفسير الكبير)
دلّت هذه الملاحظة العلمية أن ما من أمة
اُبتليت بحب الدنيا بقدر معين إلا وكانت تعادي المسلمين بالقدر نفسه. ولا قدّر
الله لو انتشر مرض حب الدنيا بين المسلمين، فذلك إيذان بانحسارهم وانهزامهم.
(والله أعلم بالصواب)
دعاء:
اللهم إنا نسألك حبك، ونعوذبك من حب الدنيا.
(آمين يا أرحم الراحمين)
