{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)}.
ملخص معاني الآية:
ما أصاب رسول الله · من أموال بني
النضير فهي فيئ، ولم يتكبّد المسلمون المشاق لأجلها، لذلك وُضعت تلك الأموال بيد
الرسول · وتحت تصرفه، يتصرف فيها كما يشاء.
تفسير سهل:
(1) لا نصيب لكم فيما أفاء الله على
رسوله، يتصرف فيها كما يشاء حسب ما يأمره الله تعالى. (اللاهوري رحمه الله)
(2) قال الشاه عبد القادر رحمه الله:
هذا هو الفرق بين الغنيمة والفيئ، فالغنيمة ما حصلوا عليها بعد قتال، وخمسها لله
تعالى (كما سبقت التفاصيل في الجزء العاشر) والأربعة أخماس الباقية توزّع على
الغانمين، أما الأموال التي حصلوا عليها بدون قتال، فتبقى في خزانة الدولة
الإسلامية، وتُصرف في مصالح المسلمين وحوائجهم
المهمة. (العثماني)
(3) كلمة «أفاء» صيغة الماضي من أفاء
يُفيئ إفاءة، و فَاءَ بمعنى رَجَعَ، وبما أن أموال الكفار تعود إلى ملك المسلمين،
وبذلك تنتهي ملكيتهم عنها، لذلك يقال الفيء لكل مال رجع إلى المسلمين بطريق
الهُدنة والصلح، أما التي أصابوا بعد قتال سُمّي غنيمة. والآية الكريمة تناولت
مصارف الفيء، أموال بني النضير أصابها النبي · بالمصالحة، ولم يضطر إلى قتالهم، فلا
نصيب فيها لأحد، ولا استحقاق لأحد، وجميع تلك الأموال عادت إلى النبي ·. (ملخص
أنوار البيان)
ما قال عمر في أموال بني النضير:
وفي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه قال:
وكانت أموال بني نضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا
ركاب، وكانت للنبي · خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع
والسلاح عدّة في سبيل الله تعالى. (القرطبي)
قال المفسرون: ظن البعض من المسلمين أن
أموال بني النضير تقسّم كما قُسّمت أموال بدر، فنزلت هذه الآية وأوضحت الفرق بين
الغنيمة والفيئ، ولاشك أن قتالا طفيفا قد حصل في غزوة بني النضير، لكنه لا يعتدّ
به نظراً إلى أن المسلمين ما خرجوا إليها إلا مُشاةً، ولم يركب إلا رسول الله ·،
واستسلم اليهود بدون قتال يُذكر، ولم يتحمل المسلمون لأجلها متاعب تُذكر.
معنى «ما أفاء الله»..
أفاء بمعنى أعاد، فقد أعاد الله تعالى
أموال بني النضير إلى رسول الله ·، وهل هذا المال كان لرسول الله · قبل أن يمتلكه
اليهود، كما يشير إليه لفظ «أفاء» أي أرجع إلى صاحبه؟ ثم راح إلى اليهود، والآن يوم
بني النضير أعاده الله تعالى على رسوله ·؟ والواقع إن شيئا مما ذُكر لم يحصل، فما
جوابه؟
أجاب عنه المفسرون بعدة أجوبة:
(1) قال البيضاوي رحمه الله: أفاء بمعنى
صَيَّر، أي جعله · مالكا لها.
(2) أفاء على معناه الحقيقي، وهو أرجع،
فقد كان النبي · صاحب هذه الأموال، وأن اليهود سيطروا عليها ظلما وعدوانا، لذلك
أرجعها الله تعالى إلى مالكها الحقيقي. وهذا حال أموال الكفار عموما، إذ المؤمنون
أولى بها، لأن الله ما خلق العباد إلا ليعبدوه، ولم يخلق تلك الأموال إلا
ليستقيموا بها على عبادته، فكان المؤمنون أولى بتلك الأموال من الكافرين.
«وفيه إشعار بأنها كانت حرية بأن تكون
له ·، وإنما وقعت في أيديهم بغير حق، فأرجعها الله تعالى إلى مستحقها، وكذا شأن
جميع أموال الكفرة التي تكون فيئا للمؤمنين». (روح المعاني)
التقسيم بين المهاجرين:
فلمّا جعل الله تعالى تلك الأموال إلى
رسوله، قسّمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا منها إلا ثلاثة نفر كانت بهم
حاجة، وهم:
(1) أبو دجانة سماك بن خرشة رضي الله
عنه.
(2) سهل بن حنيف رضي الله عنه.
(3) حارث بن صمة رضي الله عنه.
فقسّمها رسول الله · بين المهاجرين ولم
يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة.. الخ.
(البغوي)
تحقيق الإمام أبي بكر الجصاص:
«إن حصل قتال طفيف، فاُرعب به المشركون،
وتسارعوا إلى الهُدنة، ووافق عليها المسلمون، فما أصاب المسلمون من مال كان في حكم
الفيء، والفيء في عهد الرسول · يبقى في يده يتصرف فيه كما يشاء، يحتمل أن يكون
بقاءه في يده باعتباره مالكا له، إن كان كذلك، فذلك خاص به ·، كما يتبادر من لفظ
{على رسوله} في الآية. ويحتمل أن يكون تصرفه فيه باعتباره حاكما، وعلى كلٍ، فإن
الله أرشده إلى وجوه صرف تلك الأموال وجوبا أو نُدبا في الآية اللاحقة، وبعده
تنتقل إلى إمام المسلمين، يتصرف فيها باعتباره حاكما ومرجعا لإدارة شؤونهم، ويجعلها
في حوائج المسلمين ومصالحهم. أما الغنائم فأحكامها مختلفة عن الفيئ، يفرز الخمس
منها، فما بقي فهي للغانمين، كما دل عليه قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء
فأن لله خمسه..} الخ. ومن تخلى عن سهمه من الغانمين بطيب خاطره فذلك إليه. ثم أشار
الإمام أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي في كتابه «أحكام القرآن» إلى أن الحكم
المذكور خاص بالأموال المنقولة، أما غير المنقولة فأمرها إلى الإمام، إن شاء
قسّمها على الغانمين، وإن شاء جعلها في مصالح المسلمين، كما فعل عمر بن الخطاب رضي
الله عنه في سواد العراق بإشارة بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم، وفي ضوءه حمل
الرازي قوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم..} على الأموال المتنقلة، وآيات سورة الحشر
على أموال غير متنقلة، وهكذا فالآية الأولى {وما أفاء الله على رسوله} تُحمل على
الفيء، والثانية {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} على الغنيمة. ولا مانع من
إطلاق كلمة الغنيمة على الفيئ من ناحية اللغة». والله تعالى أعلم بالصواب.
(التفسير العثماني)
قال العلماء: كان النبي · يتصرف في تلك
الأموال باعتباره مالكها. (ارجع إلى بيان القرآن)
