{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)}.
ملخص معاني الآية:
لاحظتم قصة بني إسرائيل هذه (لتعرفوا منافع
الجهاد، وشروطه وآدابه) لما أرادوا التخلّص من بطش جالوت وظلمه واعتداءاته
بالجهاد، وطلب نبيهم آنذاك بأمير يقاتلون تحت رايته، قال أميرهم: عسى إن كتب عليكم
القتال ألاّ تقاتلوا؟ قالوا: كيف يمكن ذلك، وقد احتل العدو ديارنا وأوطاننا. وكان
نبي الله صادقا في ظنه، إذ امتنع أكثرهم من الجهاد لمّا كتبه الله عليهم، والله
عليم بأمثالهم من الظالمين.
الربط
بين الآيات:
(1) ذكر في التحريض على القتال قصةً أخرى جرت
في بني إسرائيل. (تفسير القرطبي)
العهد:
قال الله تعالى: {من بعد موسى}.. أي هذه القصة
وقعت بعد عهد موسى عليه السلام، فما هذا العهد؟ اختلف فيه أهل العلم:
(1) بعد موسى عليه السلام بثلاثة قرون، وقُبيل
عهد داود عليه السلام، بينه وبين بدء التقويم المسيحي ألف سنة، أو ألف ومائة سنة.
(التفسير الماجدي)
(2) يشير الله تعالى في هذه الآيات إلى القصة
الثانية في بني إسرائيل، التي حدثت قبل ألف ومائة سنة من ميلاد المسيح، وأراد الله
تعالى بها تحفيز المسلمين على الجلد والثبات والصبر على الشدائد أثناء القتال.
(التفسير الحقاني)
(3) وقال أبو حيان في البحر المحيط بشأن تحديد
العهد ما ملخصه:
لما مات موسى عليه السلام ، خلف من بعده في بني
إسرائيل يوشع يقيم فيهم التوارة ، ثم قبض فخلف حزقيل ، ثم قبض ففشت فيهم الأحداث ،
حتى عبدوا الأوثان فبعث إليهم إلياس ، ثم من بعده اليسع ، ثم قبض ، فعظمت فيهم الأحداث
، وظهر لهم عدوهم العمالقة قوم جالوت ، كانوا سكان ساحل بحر الروم ، بين مصر وفلسطين
، وظهروا عليهم وغلبوا على كثير من بلادهم ، وأسروا من أبناء ملوكهم كثيراً ، وضربوا
عليهم الجزية ، وأخذوا توراتهم ، ولم يكن لهم من يدبر أمرهم ، وسألوا الله أن يبعث
لهم نبياً يقاتلون معه ، وكان سبط النبوّة هلكوا إلاَّ امرأة حبلى دعت الله أن يرزقها
غلاماً ، فرزقها شمويل ، فتعلم التوراة في بيت المقدس ، وكفله شيخ من علمائهم؛ وتبناه
فلما بلغ النبوّة ، أتاه جبريل وهو نائم إلى جنب الشيخ ، وكان لا يأمن عليه ، فدعاه
بلحن الشيخ : يا شمويل ، فقام فزعاً ، وقال : يا أبتِ دعوتني ، فكره أن يقول له : لا
، فيفزع ، فقال : يا بني نم ، فجرى بذلك له مرتين ، فقال له : إن دعوتك الثالثة فلا
تجبني ، فظهر له جبريل ، فقال له إذهب فبلغ قومك رسالة ربك ، قد بعثك نبياً .
فأتاهم ، فكذبوه ، وقالوا : إن كنت صادقاً فابعث
لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك ، وكان قوام بني إسرائيل بالاجماع على الملوك
، وكان الملك يسير بالجموع ، والنبي يسدّده ويرشده وقال وهب : بعث شمويل نبياً فلبثوا
أربعين سنة بأحسن حال ، وكان الله أسقط عنهم الجهاد إلاَّ من قاتلهم ، فلما كتب عليهم
القتال تولوا ، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان . (البحر المحيط)
اسم
النبي :
النبي الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، أكثر
المفسرين على أن اسمه شموئيل عليه السلام. راجع (تفسير القرطبي، والتفسير الكبير،
والبحر المحيط وغيرها).
{تولوا إلا قليلاً منهم} ..
(1) هذا شأن المترف المنعم، متى كان متلبسا
بالنعمة، قوي عزمه وأنف، فإذا ابتلي بشيء من الخطوب ركع وذل.
(2) {إلا قليلاً منهم} فهم الذين عبروا النهر،
وسيأتي ذكرهم، وقيل: كان عدد هذا القليل ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر.
{والله عليم بالظالمين}..
(1) فيه وعيد وتهديد لمن تقاعد عن القتال بعد
أن فرض عليه بسؤاله ورغبته. (البحر المحيط)
(2) وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله
قبل ذلك : { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني
إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم
وهذا بين في كونه زجراً عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثاً على الجهاد ، وأن يستمر
كل مسلم على القيام بذلك ، والله أعلم . (التفسير
الكبير)
الدروس
المستفادة من الآية:
(1) ثبت بما سبق أنه لا سبيل إلى التخلص من
الظلم والبطش إلا الجهاد.
(2) لا نجاح في الجهاد إن لم يكن تحت راية
أمير.
(3) التولي عن الجهاد ظلم. (والله أعلم)
دعاء:
اللهم إنا نعوذبك من أن نكون من الظالمين.
آمين يا أكرم الأكرمين
