{سورة التوبة مدنية، الآيات : 58، 59}


بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) }.

ملخص معاني الآيتين:

يذكر الله تعالى الآن أولئك المرتزقة الذين يهربون من الجهاد لعدم توفر المال، يستعدون لخوض المعارك كافة إن حصلوا على المال، فهم عبيد المال. (التفسير الفرقان)
هذا صنف ثالث ممن سعوا إلى استثناءهم عن الجهاد وعدم الخروج له، يريدون من الجهاد مكاسب مالية دون مرضاة الله واتباع الرسول ·، فإن وجدوا أقل مما كانوا يتوقعونه، تبدلوا وتغيّروا، وإن أخلصوا أعمالهم لله تعالى، ولم يكن همهم المال، لاكتفوا بما وجدوا، وقالوا حسبنا الله، وإن شاء لأعطانا وسدّ حاجاتنا». (حاشية اللاهوري)

المناسبة بين الآيات:

يذكر الله تعالى في هذه الآيات قصة غزوة تبوك، التي تخلف عنها المنافقون بحجج واهية. ويشير إلى قبائح المنافقين وأحوالهم، ومن إحدى قبائحهم أنهم طامعون في المال، إن وجدوا أقل مما كانوا يتوقعون، تطاولوا على ذات الرسول ·. ومن إحدى قبائحهم أنهم لا يثقون في ذات الرسول ·، يخشون أنه قد · لا يعدل في تقسيم الغنائم، كما أنهم لا يشاركون في الجهاد، وإن شاركوا فللمال، والأفضل للمسلمين أن لا يخرج هؤلاء معهم للجهاد. (والله أعلم بالصواب)

وقائع أسباب النزول:

لقد ذكر المفسرون في أسباب نزول الآية الكريمة العديد من الوقائع، ومن أشهرها قصة «ذو الخويصرة التميمي» وكان اسمه الحقيقي «حرقوص بن زهير» والقصة أخرجها الشيخان في صحيحيهما..
بينا رسول الله · يقسم مالا إذ جاءه حرقوص بن زهير، أصله من الخوارج، ويقال له ذو الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل، فنزلت الآية. (القرطبي)
والروايات تشير إلى أن القصة وقعت عند تقسيم المغانم التي غنموها من هوازن، (بعد الانتصار في حنين) وفي بعض الروايات أن القائل هو «معتب بن قشير»، وكان منافقا. (المظهري)
وفي الدر المنثور (250/3) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي · قسّم الغنائم يوم حنين، فقال رجل: هذه قسمة لم يقصد منها رضا الله، (العياذ بالله) فجئت النبي · وذكرت له ذلك، فقال: لقد اُوذي موسى أكثر منه فصبر، فنزلت: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} (أنوار البيان).
كما ذكر صاحب التفسير المظهري قصصا عديدة حول أسباب النزول، ورد عليها فقال:
وعندي أن الآية نزلت لما تجهّز المسلمون لتبوك، وجاءوا بالأموال والصدقات، وكان النبي · يقسمها. (فانتقد المنافقون) (التفسير المظهري)

المنافقون طلاب الدنيا:

«كل من أحب الدنيا، لا يسر إلا بالمال، فالدين والإيمان والأعمال الصالحة والجهاد في سبيل الله لا تجلب المسرة إلى قلوبهم، لا يفرحون على نعمة الإسلام والأعمال الصالحة، إنما يترقبون المال لما دخل حبه في قلوبهم، فإن أصابوه فرحوا، وإلا غضبوا، وبما أن قلوب المنافقين كانت فارغة عن الإيمان، ولايدّعون الإسلام إلا لمكاسب دنيوية، فإن فقدوها سخطوا. { فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } فطالب الدنيا لا يهمه إلا المال، وهو فاني، ولا أهمية له في مقابلة الإيمان والأعمال الصالحة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي · قال: لعن عبد الدينار ولُعن عبد الدرهم، إن اُعطي فرح، وإن مُنع سخط، أهلكه الله، وأكب بوجهه في النار، فإن اشتاكته شوكة لا خرجت. (البخاري)
لاحظوا كيف دعا النبي · على طالب الدنيا.
وقال الله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ }.
والواقع إن المؤمن يثق بالله، ويرجو منه الخير، ويرضى بالقليل الذي يجده من ربه، أما المنافق فلا يرضى بالقليل، ولا يعلم البركة، ولا يرتبط مع الله، يهتم بالمال ويطلبه كثيراً. (أنوار البيان)