‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورة الفتح مدنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورة الفتح مدنية. إظهار كافة الرسائل
8:49 م

غزوة خيبر

غزوة خيبر


مقتبسة من السيرة الحلبية وسيرة المصطفى   ·



غزوة خيبر

محرم الحرام سنة سبع من الهجرة

{وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه} (سورة الفتح).

كلمة خيبر:

خَيبر بفتح الخاء المعجمة على وزن جعفر. (وخيبر اسم موضع وحصن) وخيبر اسم رجل من العمالقة، قدم إليها، وسكن بها، فاشتهرت به. وكان أخوه يثرب الذي كانت المدينة المنورة تُنسب إليه. كما قالوا.
وقال بعض المؤرخين: خيبر الحصن في لغة اليهود، ويقال لهذه القرية خيابر لما كانت تتزاحم فيها الحصون والقلع.

مدينة خيبر:

وكانت خيبر مدينة واسعة، فيها حصون وحقول وبساتين، بينها وبين المدينة مسافة 8 بريد، كما قال الدمياطي في كتابه في السيرة، وفي كل بريد أربعة فراسخ، وفي كل فرسخ ثلاثة أميال. (فالمسافة بين المدينة وخيبر 96 ميلا).

غزو خيبر:

لمّا رجع النبي · من الحديبية نزلت عليه سورة الفتح، ووعد فيها المؤمنين بشكل عام، وأصحاب بيعة الرضوان بشكل خاص، بفتوح ومغانم كثيرة، ثم منحهم فتح خيبر جزاءً على بيعة الرضوان، إضافة إلى فتح مكة التي لم تتحقق بعدُ، كأنها حصلت لهم، وسوف تتحقق لهم انتصارات عظيمة، نعلمها نحن، لا تعلمونها أنتم، فقد أراد بقوله {فعجّل لكم هذه} فتح خيبر، وفي الآية السابقة {وأثابهم فتحا قريبا} أيضاً فتح خيبر.
 وبعدما رجع النبي · المدينة، أقام ذي الحجة وأوائل المحرم فيها، ثم تلقى أوامر بغزو خيبر، التي يقطنها اليهود الخونة، الذين استقدموا الأحزاب لاجتياح المدينة.

المتغيبون عن الحديبية:

أخبر الله تعالى نبيه أن المنافقين سوف يطلبون منكم الصحبة بعدما بلغتهم بشارة فتح خيبر، فقد جاء أمر الله فيهم أنهم لا يرافقونك فيها، ونزلت هذه الآية:
{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا}. (الفتح 15)

الرحيل إلى خيبر والاستخلاف بالمدينة:

توجه النبي · إلى خيبر في نهاية شهر الله المحرم سنة سبع من الهجرة، يرافقه ألف وأربعمائة مشاة، ومائتا راكب، ومن أزواجه أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين. (فتح الباري 7/356)
واستخلف على المدينة نميلة، وقيل سباع بن عرفطة رضي الله عنه، والأصح سباع بن عرفطة، كما أكّد عليه أهل العلم.

عامر بن الأكوع يحدو:

فسار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال في مسيره لعامر بن الأكوع، عم سلمة بن عمرو بن الأكوع: احد لنا، فنزل وحداهم يقول:
       اللّهُمّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدّقْنَا وَلَا صَلّيْنَا    فَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبّتْ الْأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا      إنّا إذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
       وَبِالصّيَاحِ عَوّلُوا عَلَيْنَا

الكناية باستشهاد عامر:

فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحمك الله ! فقال له عمر: هلا امتعتنا به يا رسول الله ! وكان إذا قالها لرجل قتل، فلما نازلوا خيبر بارز عامر فعاد عليه سيفه فجرحه جرحاً شديداً، فمات منه، فقال الناس: إنه قتل نفسه. فقال سلمة ابن أخيه للنبي، صلى الله عليه وسلم، ما قالوا فقال: كذبوا بل له أجره مرتين. (السيرة النبوية لابن كثير، والكامل في التاريخ).

خزائن الجنة:

أخرج الإمام البخاري رحمه الله بسنده قال:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. (صحيح البخاري مع الفتح)

دعاء النبي   ·:

وَلَمّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ قِفُوا ثُمّ قَالَ قُولُوا اللّهُمّ رَبّ السّمَوَاتِ السّبْعِ وَمَا أَظَلّتْ وَرَبّ الْأَرَضِينَ السّبْعِ وَمَا أَقَلّتْ وَرَبّ الرّيَاحِ وَمَا ذَرّتْ فَإِنّا نَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا ، وَخَيْرَ مَا فِيهَا ، وَنَعُوذ بِك مِنْ شَرّهَا وَشَرّ مَا فِيهَا . ثُمّ قَالَ اُدْخُلُوا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ. (مغازي الواقدي)

نزوله في خيبر:

وكان قد بلغ النبي · أن غطفان قد جمعت الجموع ليمدّوا يهود خيبر بالرجال والكراع والسلاح، فسار من المدينة حتى نزل بالرجيع بين خيبر وغطفان، ليعترض طريق الإمداد بينهما، وليُلقي الرعب في قلوبهم، فلما عرفت غطفان أن الخطر قد أحاط بها، رجعت إلى ديارها. (ابن هشام 185/2)

الجيش الإسلامي يفاجئ اليهود:

ونزل على خيبر ليلاً ولم يعلم أهلها فخرجوا عند الصباح إلى عملهم بمساحيهم، فلما رأوا عادوا وقالوا: محمد والخميس، يعنون الجيش، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم (فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ) الصافات: 177.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ { فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ } قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا مُحَمَّدٌ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْخَمِيسُ يَعْنِي الْجَيْشَ.
وكانت حصون كثيرة بخيبر لليهود، فبدأ النبي · بالنطاة، ثم بالشق ثم بالكثيبة، وفيه حشدوا أموالهم وأمتاعهم، أما المقاتلون فكانوا مجتمعين في النطاة، وكان نزوله بالقرب منها.

حباب يشير على رسول الله   ·:

فَلَمّا أَصْبَحَ جَاءَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْك ، إنّك نَزَلْت مَنْزِلَك هَذَا ، فَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ أَمَرْت بِهِ فَلَا نَتَكَلّمُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الرّأْيُ تَكَلّمْنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ هُوَ الرّأْيُ . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ دَنَوْت مِنْ الْحِصْنِ وَنَزَلْت بَيْنَ ظُهْرَيْ النّخْلِ وَالنّزّ مَعَ أَنّ أَهْلَ النّطَاةِ لِي بِهِمْ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ قَوْمٌ أَبْعَدَ مَدَى مِنْهُمْ وَلَا أَعْدَلَ مِنْهُمْ وَهُمْ مُرْتَفِعُونَ عَلَيْنَا ، وَهُوَ أَسْرَعُ لِانْحِطَاطِ نَبْلُهُمْ مَعَ أَنّي لَا آمَنُ مِنْ بَيَاتِهِمْ يَدْخُلُونَ فِي خَمْرِ النّخْلِ تَحَوّلْ يَا رَسُولَ اللّهِ إلَى مَوْضِعٍ بَرِئَ مِنْ النّزّ وَمِنْ الْوَبَاءِ نَجْعَلْ الْحَرّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ حَتّى لَا يَنَالَنَا نَبْلُهُمْ .

تغير المنزل:

ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُقَاتِلهُمْ هَذَا الْيَوْمَ . وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ [ ص 644 ] وَسَلّمَ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَقَالَ اُنْظُرْ لَنَا مَنْزِلًا بَعِيدًا مِنْ حُصُونِهِمْ بَرِيئًا مِنْ الْوَبَاءِ نَأْمَنُ فِيهِ بَيَاتَهُمْ . فَطَافَ مُحَمّدٌ حَتّى انْتَهَى إلَى الرّجِيعِ ، ثُمّ رَجَعَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلًا فَقَالَ وَجَدْت لَك مَنْزِلًا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ وَقَاتَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَهُ ذَلِكَ إلَى اللّيْلِ يُقَاتِلُ أَهْلَ النّطَاةِ ، يُقَاتِلُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا . وَحُشِدَتْ الْيَهُودُ يَوْمئِذٍ فَقَالَ لَهُ الْحُبَابُ لَوْ تَحَوّلْت يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَمْسَيْنَا إنْ شَاءَ اللّهُ تَحَوّلْنَا . وَجَعَلْت نَبْلَ الْيَهُودِ تُخَالِطُ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ وَتَجَاوَزَهُ وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْقُطُونَ نَبْلَهُمْ ثُمّ يَرُدّونَهَا عَلَيْهِمْ . فَلَمّا أَمْسَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَحَوّلَ وَأَمَرَ النّاسُ فَتَحُولُوا إلَى الرّجِيعِ.
واحتشد اليهود مع نساءهم وذراريهم في الحصون لما رأوا رسول الله ·، فصار النبي · يضربها حصنا بعد حصن.

حصن ناعم:

وكان أول حصن سقط على يدي رسول الله ·، وكان محمود بن مسلمة جالسا تحته، فدلّى عليه اليهود رحى أصاب رأسه، فقتله.

حصن قموص:

ثم فتح الله عليهم حصن قموص، وكان حصنا محكما من حصون خيبر، حاصره المسلمون، فلم يخرج إليه النبي · لمّا اشتد عليه الألم، وزادت حدته، فأعطى اللواء أبا بكر ثم بعثه، فاجتهد لكنه لم يُفتح عليه، ثم بعث عمر، فأجهد في فتحه لكنه رجع ولم يفتح.

محاولات غير ناجحة منذ سبعة أيام:

جاء في بعض الروايات أن أهل النطاة دافعوا عنه سبعة أيام، يغدو النبي · كل يوم ومعه محمد بن مسلمة، ويخلف عثمان بن عفان على المعسكر، حتى إذا أمسى رجع، ويُداوى الجرحى، ويتلقون العلاج.

تسليم الراية... على لسان رسول الله   ·:

فلما أصبح النبي · قال لمحمد بن مسلمة:
«لأُعْطِيَنّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ يَفْتَحُ اللّهُ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِفَرّارٍ أَبشر يَا مُحَمّدُ بْنَ مَسْلَمَةَ غَدًا ، إنْ شَاءَ اللّهُ يُقْتَلُ قَاتِل أَخِيك».

الصحابة يتمنون الراية:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، وكان عمر رضي الله عنه يقول: لم أتمنى قيادة الكتيبة إلا تلك الليلة. فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ. (أخرجه البخاري)

مرحب يبارز:

ثم خرج مرحب أحد أبطال اليهود يرتجز وهو يقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَب ُ       شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
فخرج عامر بن الأكوع يرتجز وهو يقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي عامر       شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُغامر
وَغَدَا عَامِرُ بْنُ سِنَانٍ فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ ، وَبَدَرَهُ الْيَهُودِيّ فَيَضْرِبُ عَامِرًا ، قَالَ عَامِرٌ [ ص 662 ] فَاتّقَيْته بِدَرَقَتِي فَنَبَا سَيْفُ الْيَهُودِيّ عَنْهُ . قَالَ عَامِرٌ فَأَضْرِبُ رِجْلَ الْيَهُودِيّ فَأَقْطَعُهَا ، وَرَجَعَ السّيْفُ عَلَى عَامِرٍ فَأَصَابَهُ ذُبَابُهُ فَنَزَفَ فَمَاتَ . فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَبَطَ عَمَلُهُ . فَبَلَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ إنّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ إنّهُ جَاهَدَ مُجَاهِدٌ ، وَإِنّهُ لَيَعُومُ فِي الْجَنّةِ عَوْمَ الدّعْمُوصِ .
وفي رواية ابن إسحاق قال: هو شهيد، ثم صلّى عليه.

أسد الله ينزل إلى الساحة:

ثم تقدم علي بن أبي طالب إلى الحصن يرفرف الراية، ثم غرزها تحته، وكان يهودي قاعدا أعلاه، فقال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال اليهودي: لقد تكابرتم، تعلم أن الحق ما اُنزل على موسى عليه السلام.
ثم خرج اليهود من الحصن وتقدموا إلى علي، يقدمهم حارث، أخو مرحب، (ومرحب زعيم اليهود) واشتهر حارث بشجاعته، فلما رآه المسلمون يتقدم، انكشفوا عنه، وبقي علي بن أبي طالب في موضعه، ولم يهرب، فضربه حارث، ثم تبادلا ضربتين، حتى قتله علي، فلما رأى ذلك اليهود، تراجعوا، وعادوا إلى الحصن.

مواجهة مرحب:

ولمّا مرحب أن أخاه قد لقي مصرعه بيد علي بن أبي طالب، خرج شاكي السلاح، وعليه درعان، وسيفان، وعمامتان ومغفران، مع فتحة صغيرة أمام العينين، وبيده حربة فيها ثلاثة رؤوس حادة، ثم تقدم يرتجز:
قد علمت خيبر أني مرحب    شاكي السلاح بطل مجرب
فقال علي:
أنا الذي سمّتني أمّي حيدره    كليث غابات كريه المنظرة

علي يوجّه ضربة قاضية:

فلما تقدما سبقه علي بضربة سيف، فتوقاه مرحب بتُرس، لكن الضربة كانت قوية حتى انقطع الترس والمغفر والحجارة التي تحته، والعمامتان اللتان تحتها حتى بلغ جمجمته فشقها اثنتين، وتعلّق السيف بنواجذه.

مبارزة ياسر أخو مرحب:

ثم تقدم أخوه ياسر، وكان يرتجز فيقول:
قد علمت خيبر أني ياسر     شاكي السلاح بطل مغادر

يرد عليه الزبير..

ثُمّ بَرَزَ يَاسِرٌ وَكَانَ مِنْ أَشِدّائِهِمْ وَكَانَتْ مَعَهُ حَرْبَةٌ يَحُوشُ بِهَا الْمُسْلِمِينَ حَوْشًا ، فَبَرَزَ لَهُ عَلِيّ رضي الله عنه فَقَالَ الزّبَيْرُ أَقَسَمْت عَلَيْك أَلّا خَلّيْت بَيْنِي وَبَيْنَهُ . فَفَعَلَ عَلِيّ وَأَقْبَلَ يَاسِرٌ بِحَرْبَتِهِ يَسُوقُ بِهَا النّاسَ فَبَرَزَ لَهُ الزّبَيْرُ فَقَالَتْ صَفِيّةُ يَا رَسُولَ اللّهِ وَاحَزَنَى ابْنِي يُقْتَلُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ بَلْ ابْنُك يَقْتُلُهُ . قَالَ فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَهُ الزّبَيْرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِدَاك عَمّ وَخَالٌ وَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِكُلّ نَبِيّ حَوَارِيّ وَحَوَارِيّ الزّبَيْرُ وَابْنُ عَمّتِي.

إسلام أسود الراعي:

وكان شعار المسلمين يوم خيبر «اَمِتْ اَمِتْ» وفي رواية «يا منصور اَمِت اَمِت» وكان بين قتلى المسلمين يوم خيبر عبد أسود واسمه «يسار الحبشي» لعامر اليهودي في غنم له، قيل اسمه: إسلام. وفي كتاب الامتاع اسمه: يسار.
فَلَمّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ يَتَحَصّنُونَ وَيُقَاتِلُونَ سَأَلَهُمْ فَقَالُوا : نُقَاتِلُ هَذَا الّذِي يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ . قَالَ فَوَقَعَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي نَفْسِهِ فَأَقْبَلَ بِغَنَمِهِ يَسُوقُهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ مَا تَقُولُ ؟ مَا تَدْعُو إلَيْهِ ؟
قَالَ أَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ فَأَشْهَدُ أَنّ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّي رَسُولُ اللّهِ .
قَالَ فَمَا لِي ؟ قَالَ الْجَنّةُ إنْ ثَبَتّ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ فَأَسْلَمَ .
وَقَالَ إنّ غَنَمِي هَذِهِ وَدِيعَةٌ .
فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْرِجْهَا مِنْ الْعَسْكَرِ ثُمّ صِحْ بِهَا وَارْمِهَا بِحَصَيَاتٍ فَإِنّ اللّه عَزّ وَجَلّ سَيُؤَدّي عَنْك أَمَانَتَك .
فَفَعَلَ الْعَبْدُ فَخَرَجْت الْغَنَمُ إلَى سَيّدِهَا ، وَعَلِمَ الْيَهُودِيّ أَنّ عَبْدَهُ قَدْ أَسْلَمَ .

جهاده واستشهاده ومكانته العالية:

وَوَعَظَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ وَفَرّقَ بَيْنَهُمْ الرّايَاتِ وَكَانَتْ ثَلَاثَ رَايَاتٍ وَلَمْ تَكُنْ رَايَةٌ قَبْلَ يَوْمِ خَيْبَرَ ، إنّمَا كَانَتْ الْأَلْوِيَةُ وَكَانَتْ رَايَةُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّوْدَاءَ مِنْ بُرْدٍ لِعَائِشَةَ تُدْعَى الْعِقَابَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ وَدَفَعَ رَايَةً إلَى عَلِيّ رضي الله عنه وَرَايَةً إلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، وَرَايَةً إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَخَرَجَ عَلِيّ رضي الله عنه بِالرّايَةِ وَتَبِعَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَاحْتُمِلَ فَأُدْخِلَ خِبَاءً مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ فَاطّلَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ [ ص 650 ] وَسَلّمَ فِي الْخِبَاءِ.
فَقَالَ لَقَدْ كَرّمَ اللّهُ هَذَا الْعَبْدَ الْأَسْوَدَ وَسَاقَهُ إلَى خَيْبَرَ ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ مِنْ نَفْسِهِ حَقّا، قَدْ رَأَيْت عِنْدَ رَأْسِهِ زَوْجَتَيْنِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ .
وباختصار فتح الله هذا الحصن على المسلمين بيد علي بن أبي طالب بعد قتال دام عشرين يوما، فغنموا أموالا كثيرة وأسرى وذراري اليهود، منهم صفية رضي الله عنها بنت حيي بن الأخطب، سيد بني النضير، وكانت زوجة كنانة بن الربيع.

(3) حصن صعب بن معاذ:

ثم فتح الله عليهم حصن صعب بن معاذ.

المسلمون يعانون من شح حاد في المواد الغذائية:

قَالَ مُعَتّبٌ الْأَسْلَمِيّ أَصَابَنَا مَعْشَرَ أَسْلَمَ خَصَاصَةً حِينَ قَدِمْنَا خَيْبَرَ ، وَأَقَمْنَا عَشَرَةَ أَيّامٍ عَلَى حِصْنِ النّطَاةِ لَا نَفْتَحُ شَيْئًا فِيهِ طَعَامٌ فَأَجْمَعَتْ أَسْلَمُ أَنْ يُرْسِلُوا أَسَمَاءَ بْنَ حَارِثَةَ فَقَالُوا : ائْتِ مُحَمّدًا رَسُولَ اللّهِ فَقُلْ إنّ أَسْلَمَ يُقْرِئُونَك السّلَامَ وَيَقُولُونَ إنّا قَدْ جَهْدَنَا مِنْ الْجَوْعِ وَالضّعْفِ . فَقَالَ بُرَيْدَة بْنُ الْحُصَيْبِ وَاَللّهِ إنْ رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ أَمْرًا بَيْنَ الْعَرَبِ يَصْنَعُونَ [ فِيهِ ] هَذَا فَقَالَ هِنْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَاَللّهِ إنّا لَنَرْجُو أَنْ تَكُونَ الْبِعْثَةُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِفْتَاحَ الْخَيْرِ . فَجَاءَهُ أَسَمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ أَسْلَمَ تَقُولُ إنّا قَدْ جَهِدْنَا مِنْ الْجُوعِ وَالضّعْفِ فَادْعُ اللّهَ لَنَا . فَدَعَا لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ وَاَللّهِ مَا بِيَدِي مَا أَقْرِيهِمْ . ثُمّ صَاحَ بِالنّاسِ فَقَالَ اللّهُمّ افْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حِصْنٍ فِيهِ أَكْثَرُهُ طَعَامًا وَأَكْثَرُهُ وَدَكًا . وَدَفَعُوا اللّوَاءَ إلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ وَنَدَبَ النّاسَ فَمَا رَجَعْنَا حَتّى فَتَحَ اللّهُ عَلَيْنَا الْحِصْنَ - حِصْنَ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ . فَقَالَتْ أُمّ مُطَاعٍ الْأَسْلَمِيّة ، وَكَانَتْ قَدْ شَهِدَتْ خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نِسَاءٍ قَالَتْ لَقَدْ رَأَيْت أَسْلَمَ حِينَ شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا شَكَوْا مِنْ شِدّةِ الْحَالِ فَنَدَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ فَنَهَضُوا ، فَرَأَيْت أَسْلَمَ أَوّلَ مَنْ انْتَهَى إلَى حِصْنِ الصّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَإِنّ عَلَيْهِ لَخَمْسُمِائَةِ مُقَاتِلٍ فَمَا غَابَتْ الشّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتّى فَتَحَهُ اللّهُ وَكَانَ عَلَيْهِ قِتَالٌ شَدِيدٌ .

وفرة الإمدادات الغذائية :

وكان هذا من أحد حصون خيبر التي تشحن بالمواد الغذائية، ففيه القمح والتمر والودك والزيتون والسمن والماشية وأمتعة أخرى كثيرة.

مواجهات فردية في حصن الصعب:

وكان في حصن الصعب خمسمائة مقاتل من اليهود، فخرج أحدهم ودعا للمبارزة، واسمه يوشع، فخرج حباب بن المنذر من بين صفوف المسلمين، فقتله.
وَبَرَزَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ الزّيّالُ فَبَرَزَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ الْغِفَارِيّ فَبَدَرَهُ الْغِفَارِيّ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً عَلَى هَامَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا الْغُلَامُ الْغِفَارِيّ فَقَالَ النّاسُ بَطَلُ جِهَادِهِ . فَبَلَغَ رَسُولُ اللّهِ [ ص 660 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَا بَأْسُ بِهِ يُؤْجَرُ وَيُحْمَدُ .

هجوم يهودي شديد:

ثم حمل اليهود على المسلمين حملة شديدة فانكشف المسلمون وانتشروا وواصل اليهود تقدمهم، حتى وصلوا إلى النبي ·، وكان النبي · قد نزل عن فرسه ووقف بالأرض.

رد إسلامي شديد والفتح:

وثبت حباب بن المنذر، وواجه اليهود، يرد عليهم، فحرّض النبي · على الجهاد ووعظهم، فتوقف المسلمون وكرّوا على اليهود، وحملوا عليهم حملة رجل واحد، فلم يقدروا على دفعها وتراجعوا حتى وصلوا إلى أبواب الحصون، وأغلقوا الأبواب، فحمل المسلمون على الحصن حتى دخلوه وصاروا يأخذونهم ويقتلونهم (ففتح الله عليهم الحصن) وغنموا التمر والسمن والعسل والسكر والزيتون والودك بكثرة.
ورأى النبي · النار في الجوانب كلها، فقال: ما هذه النار، قالوا: يطبخون اللحم، فقال: لحم ماذا؟ فقالوا: لحوم الحمر الأهلية، فقال: إنها نجس فاقلبوا القدور، واكسروا الأواني، قالوا يا رسول الله أنرمي اللحم؟ ونغسل الأواني؟ فأذن لهم بذلك.

(4) حصن قُلّة:

ثم لجأ اليهود إلى حصن قلة، وكان حصنا محكما على ذروة جبل، ولذلك سُمّي بالقُلة، وهي رأس الجبل، واشتهر فيما بعد بقلعة الزبير، لأنها وقعت في نصيب الزبير بن العوام بعد مقسم الغنيمة.
حاصر المسلمون هذا الحصن ثلاثة أيام، فخرج يهودي وجاء إلى النبي · وقال: يا أبا القاسم إن حاصرتهم شهرا لا يهمهم فلديهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لأطول منه، وتحت أراضيهم من عيون، يخرجون إليها في الليل ثم يملأون أوانيهم ويعودون، فلو قطعت عنهم الماء غلبتَ عليهم، ففعل النبي ·، فاضطر اليهود على الخروج، وخاضوا قتالا عنيفا، فقُتل منهم عشرة، وقُتل من المسلمين بعضهم، حتى فتح الله عليهم الحصن.
قال الحافظ ابن كثير: هذا آخر حصون النطاة، وعقبها توجه النبي · إلى منطقة الشق وحصونها، ففتح حصن اُبي بعد قتال عنيف، ثم دخله المسلمون، ومنه تقدموا إلى حصون أخرى.

(5) الوطيح والسلالم:

ثم تقدّم النبي · إلى بقية الحصون، فلما فتح الجميع، تقدم إلى الوطيح والسلالم، وورد في بعض الروايات ذكر الكتيبة، وما كانت قبلها من الحصون سقطت بيد المسلمين، ولم يسلم لليهود إلا الوطيح والسلالم، فكانوا يتكلون عليهما، فاجتمعوا فيهما من الأطراف كلها، ففرض النبي · عليهما حصارا شديدا، واستمر لمدة أربع عشرة يوما، حتى طلبوا الصلح، فوافق عليه النبي · قَالُوا : وَأَرْسَلَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْزِلْ فَأُكَلّمَك ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ . قَالَ فَنَزَلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فَصَالَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ مَنْ فِي حُصُونِهِمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَتَرَكَ الذّرّيّةَ لَهُمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا بِذَرَارِيّهِمْ وَيُخَلّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ أَوْ أَرْضٍ وَعَلَى الصّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْكُرَاعِ وَالْحَلْقَةِ وَعَلَى الْبَزّ إلّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا . فَصَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْأَمْوَالِ فَقَبَضَهَا ، الْأَوّلُ فَالْأَوّلُ وَبَعَثَ إلَى الْمَتَاعِ وَالْحَلْقَةِ فَقَبَضَهَا ، فَوَجَدَ مِنْ الدّرُوعِ مِائَةَ دِرْعٍ وَمِنْ السّيُوفِ أَرْبَعَمِائَةِ سَيْفٍ وَأَلْفَ رُمْحٍ وَخَمْسَمِائَةِ قَوْسٍ عَرَبِيّةٍ بِجِعَابِهَا . فَسَأَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ عَنْ كَنْزِ آلِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَحُلِيّ مِنْ حُلِيّهِمْ كَانَ يَكُونُ فِي مَسْكِ الْجَمَلِ كَانَ أَسْرَاهُمْ يُعْرَفُ بِهِ وَكَانَ الْعُرْسُ يَكُونُ بِمَكّةَ فَيَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَعَارُ ذَلِكَ الْحُلِيّ الشّهْرَ فَيَكُونُ فِيهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ الْحُلِيّ يَكُونُ عِنْدَ الْأَكَابِرِ فَالْأَكَابِرِ مِنْ آلِ أَبِي الْحُقَيْقِ. فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَنْفَقْنَاهُ فِي حَرْبِنَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَكُنّا نَرْفَعُهُ لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فَلَمْ تُبْقِ الْحَرْبُ وَاسْتِنْصَارُ الرّجَالِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَحَلَفَا عَلَى ذَلِكَ فَوَكّدَا الْأَيْمَانَ وَاجْتَهَدَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُمَا : [ ص 672 ] بَرِئَتْ مِنْكُمَا ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ إنْ كَانَ عِنْدَكُمَا قَالَا : نَعَمْ . ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكُلّ مَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِكُمَا وَأَصَبْت مِنْ دِمَائِكُمَا فَهُوَ حِلّ لِي وَلَا ذِمّةَ لَكُمَا قَالَا : نَعَمْ . وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعَلِيّا ، وَالزّبِيرَ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَعَشَرَةً مِنْ الْيَهُودِ . فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إلَى كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فَقَالَ إنْ كَانَ عِنْدَك مَا يَطْلُبُ مِنْك مُحَمّدٌ أَوْ تَعْلَمُ عِلْمَهُ فَأَعْلِمْهُ فَإِنّك تَأْمَنُ عَلَى دَمِك ، وَإِلّا فَوَاَللّهِ لَيَظْهَرَنّ عَلَيْهِ قَدْ اطّلَعَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ بِمَا لَمْ نَعْلَمْهُ . فَزَبَرَهُ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فَتَنَحّى الْيَهُودِيّ فَقَعَدَ . ثُمّ سَأَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَلّامِ بْن أَبِي الْحُقَيْقِ - وَكَانَ رَجُلًا ضَعِيفًا - عَنْ كَنْزِهِمَا ، فَقَالَ لَيْسَ لِي عِلْمٌ غَيْرَ أَنّي قَدْ كُنْت أَرَى كِنَانَةَ كُلّ غَدَاةٍ يَطُوفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ - قَالَ وَأَشَارَ إلَى خَرِبَةٍ - فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ دَفَنَهُ فَهُوَ فِيهَا . وَكَانَ كِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى النّطَاةِ أَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ - وَكَانَ أَهْلُ النّطَاةِ أَخَذَهُمْ [ الرّعْبُ ] - فَذَهَبَ بِمَسْكِ الْجَمْلِ فِيهِ حَلِيّهُمْ فَحَفَرَ لَهُ فِي خَرِبَةٍ لَيْلًا وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ ، ثُمّ سَوّى عَلَيْهِ التّرَابَ بِالْكَتِيبَةِ وَهِيَ الْخَرِبَةُ الّتِي رَآهُ ثَعْلَبَةُ يَدُورُ بِهَا كُلّ غَدَاةٍ . فَأَرْسَلَ مَعَ ثَعْلَبَةَ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوَامّ وَنَفَرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى تِلْكَ الْخَرِبَةِ فَحَفَرَ حَيْثُ أَرَاهُ ثَعْلَبَةُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذَلِكَ الْكَنْزَ وَيُقَالُ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ دَلّ رَسُولَهُ عَلَى ذَلِكَ الْكَنْزِ . فَلَمّا أُخْرِجَ الْكَنْزُ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الزّبَيْرَ أَنْ يُعَذّبَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ حَتّى يَسْتَخْرِجَ كُلّ مَا عِنْدَهُ . فَعَذّبَهُ الزّبَيْرُ حَتّى جَاءَهُ بِزَنْدٍ يَقْدَحُهُ فِي صَدْرِهِ ثُمّ أَمَرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ [ ص 673 ] يَقْتُلُهُ بِأَخِيهِ فَقَتَلَهُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ . وَأَمَرَ بِابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ الْآخَرِ فَعُذّبَ ثُمّ دُفِعَ إلَى وُلَاةِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ فَقُتِلَ بِهِ وَيُقَالُ ضُرِبَ عُنُقُهُ . وَاسْتَحَلّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ أَمْوَالَهُمَا وَسَبَى ذَرَارِيّهُمَا . فَحَدّثَنِي خَالِدُ بْنُ الرّبِيعَةِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ عَمّنْ نَظَرَ إلَى مَا فِي مَسْكِ الْجَمْلِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ أُتِيَ بِهِ فَإِذَا جُلّهُ أَسْوِرَةٌ الذّهَبِ وَدَمَالِجُ الذّهَبِ وَخَلَاخِلُ الذّهَبِ وَقِرَطَةُ الذّهَبِ وَنَظْمٌ مِنْ جَوْهَرٍ وَزُمُرّدٍ وَخَوَاتِمُ ذَهَبٍ وَفَتَخٌ بِجَزْعِ ظَفَارِ مُجَزّعٌ بِالذّهَبِ . وَرَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نِظَامًا مِنْ جَوْهَرٍ فَأَعْطَاهُ بَعْضَ أَهْلِهِ إمّا عَائِشَةُ أَوْ إحْدَى بَنَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ فَلَمْ تَمْكُثْ إلّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ حَتّى فَرّقَتْهُ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْأَرَامِلِ فَاشْتَرَى أَبُو الشّحْمِ ذُرَةً مِنْهَا . فَلَمّا أَمْسَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصَارَ إلَى فِرَاشِهِ لَمْ يَنَمْ فَغَدَا فِي السّحَرِ حَتّى أَتَى عَائِشَةَ ، وَلَمْ تَكُنْ لَيْلَتَهَا ، أَوْ بِنْتَه ، فَقَالَ رُدّي عَلَيّ النّظَامَ فَإِنّهُ لَيْسَ لِي ، وَلَا لَك فِيهِ حَقّ . فَخَبّرَتْهُ كَيْفَ صَنَعْت بِهِ فَحَمد اللّه وَانْصَرَفَ .

صفية بين أسرى الحرب:

وكانت صفية بنت حُيي بن الأخطب بين الأسرى، وكانت من سلالة نبي الله هارون بن عمران، أخ موسى عليه السلام، فاختار منهم صفية.
وكان قد خيّرها النبي · قبله، إن شاءت أعتقها النبي · فتعود إلى من تبقى من أهلها وذويها، أو تسلم فيختارها النبي · لنفسه.
فقالت: لا، بل أختار الله ورسوله.

رؤيا صفية:

وَكَانَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ حُيَيّ تَقُولُ كَانَ ذَلِكَ النّظَامُ لِبِنْتِ كِنَانَةَ . وَكَانَتْ صَفِيّةُ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَبَاهَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْكَتِيبَةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَرْسَلَ بِهَا مَعَ بَلَالٍ إلَى رَحْلِهِ . فَمَرّ بِهَا وَبِابْنَةِ عَمّهَا عَلَى الْقَتْلَى ، فَصَاحَتْ ابْنَةُ عَمّهَا صِيَاحًا شَدِيدًا ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا صَنَعَ بَلَالٌ فَقَالَ أَذَهَبَتْ مِنْك الرّحْمَةُ ؟ تَمُرّ بِجَارِيَةٍ حَدِيثَةِ السّنّ عَلَى [ ص 674 ] الْقَتْلَى فَقَالَ بَلَالٌ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا ظَنَنْت أَنّك تَكْرَهُ ذَلِكَ وَأَحْبَبْت أَنْ تَرَى مَصَارِعَ قَوْمِهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَابْنَةِ عَمّ صَفِيّةَ مَا هَذَا إلّا شَيْطَانٌ . وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيّ قَدْ نَظَرَ إلَى صَفِيّةَ فَسَأَلَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيُقَالُ إنّهُ وَعَدَهُ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ خَيْبَرَ ، فَأَعْطَاهُ ابْنَةَ عَمّهَا .
وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ ، عَنْ أُخْتِهِ أُمّ عَبْدِ اللّهِ عَنْ ابْنَةِ أَبِي الْقَيْنِ الْمُزَنِيّ ، قَالَتْ كُنْت آلَفُ صَفِيّةَ مِنْ بَيْنَ أَزْوَاجِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَتْ تُحَدّثُنِي عَنْ قَوْمِهَا وَمَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْهُمْ قَالَتْ خَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ حَيْثُ أَجْلَانَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَقَمْنَا بِخَيْبَرَ ، فَتَزَوّجَنِي كِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فَأَعْرَسَ بِي قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَيّامٍ وَذَبَحَ جُزُرًا وَدَعَا بِالْيَهُودِ وَحَوّلَنِي فِي حِصْنِهِ بِسُلَالِمَ فَرَأَيْت فِي النّوْمِ كَأَنّ قَمَرًا أَقْبَلَ مِنْ يَثْرِبَ يَسِيرُ حَتّى يَقَعَ فِي حِجْرِي . فَذَكَرْت ذَلِكَ لَكِنَانَةَ زَوْجِي فَلَطَمَ عَيْنِي فَاخْضَرّتْ فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ دَخَلْت عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْته . قَالَتْ وَجَعَلَتْ الْيَهُودُ ذَرَارِيّهَا فِي الْكَتِيبَةِ ، وَجَرّدُوا حِصْنَ النّطَاةِ لِلْمُقَاتِلَةِ فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْبَرَ وَافْتَتَحَ حُصُونَ النّطَاةِ ، وَدَخَلَ عَلَيّ كِنَانَةُ فَقَالَ قَدْ فَرَغَ مُحَمّدٌ مِنْ النّطَاةِ ، وَلَيْسَ هَا هُنَا أَحَدٌ يُقَاتِلُ قَدْ قُتِلَتْ الْيَهُودُ حَيْثُ قُتِلَ أَهْلُ النّطَاةِ وَكَذَبَتْنَا الْعَرَبُ . فَحَوّلَنِي إلَى حِصْنِ النّزَارِ بِالشّقّ - قَالَ وَهُوَ أَحْصَنُ مِمّا عِنْدَنَا - فَخَرَجَ حَتّى أَدْخَلَنِي وَابْنَةَ عَمّي وَنُسَيّاتٍ مَعَنَا . فَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْنَا قَبْلَ الْكَتِيبَةِ فَسُبِيت فِي النّزَارِ قَبْلَ أَنْ [ ص 675 ] يَنْتَهِي النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْكَتِيبَةِ ، فَأَرْسَلَ بِي إلَى رَحْلِهِ ثُمّ جَاءَنَا حِينَ أَمْسَى فَدَعَانِي ، فَجِئْت وَأَنَا مُقَنّعَةٌ حَيِيّةٌ فَجَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ إنْ أَقَمْت عَلَى دِينِك لَمْ أُكْرِهْك ، ، وَإِنْ اخْتَرْت اللّهَ وَرَسُولَهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَك . قَالَتْ أَخْتَارُ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالْإِسْلَامَ . فَأَعْتَقَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَزَوّجَنِي وَجَعَلَ عِتْقِي مَهْرِي ، فَلَمّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ أَصْحَابُهُ الْيَوْمَ نَعْلَمُ أَزَوْجَةً أَمْ سُرّيّةً فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ فَسَيُحَجّبُهَا وَإِلّا فَهِيَ سُرّيّةٌ . فَلَمّا خَرَجَ أَمَرَ بِسِتْرٍ فَسَتَرَتْ بِهِ فَعَرَفَ أَنّي زَوْجَةٌ ثُمّ قَدِمَ إلَى الْبَعِيرِ وَقَدّمَ فَخِذَهُ لِأَضَعَ رِجْلِي عَلَيْهَا ، فَأَعْظَمَتْ ذَلِكَ وَوَضَعْت فَخِذِي عَلَى فَخِذِهِ ثُمّ رَكِبْت . وَكُنْت أَلْقَى مِنْ أَزْوَاجِهِ يَفْخَرْنَ عَلَيّ يَقُلْنَ يَا بِنْتَ الْيَهُودِيّ . وَكُنْت أَرَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُلَطّفُ بِي وَيُكْرِمُنِي ، فَدَخَلَ عَلَيّ يَوْمًا وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَا لَك ؟ فَقُلْت : أَزْوَاجُك يَفْخَرْنَ عَلَيّ وَيَقُلْنَ يَا بِنْتَ الْيَهُودِيّ . قَالَتْ فَرَأَيْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ غَضِبَ ثُمّ قَالَ إذَا قَالُوا لَك أَوْ فَاخَرُوك فَقُولِي : أَبِي هَارُونُ وَعَمّي مُوسَى .
وقيل إن الذي لطمها أبوها حيي بن الأخطب، إذ ذكرت الرؤيا له، فلطمها، ولا مانع من اجتماعهما، إذ يحتمل أنها ذكرت ما رأته للزوج والوالد، وكلاهما قد لطماها.

فتح فدك:

ولمّا بلغ أهل فدك أن اليهود صالحوا النبي ·، فحقن دماءهم، أرسلوا إليه يريدون الصلح، على أن يحقن دمائهم فيخلوا بين أموالهم وأراضيهم وبين النبي ·، ويجلون منها، وتحدث عنهم محيّصة بن مسعود، وبما أن الله فتح على رسوله أراضي فدك بدون قتال لم يركبوا إليها خيلا ولا ركابا، لذلك بقيت تحت يد النبي ·، ولم تُقسّم على الغانمين. (سيرة ابن هشام)

فائدة:

بلغ عدد المسلمين الذين اُستشهدوا في هذه المعركة إلى 14 وقيل 15، فيما لقي 93 كافراً مصرعه.

المخابرة:

لما فُتحت خيبر، وعادت أرضها إلى الله ورسوله والإسلام، أراد النبي · أن ينجلي اليهود منها (حسبما اتفقا) لكن اليهود طلبوا منه · أن يسمحهم بالبقاء فيها، فيحرثون الأرض ويزرعونها، ويكون نصف ما يخرج منها للنبي ·، فوافق النبي · عليه، لكنه قال لهم بصراحة:
«نقركم على ذلك ما شئنا». (صحيح البخاري 310/1)
فهذه أول سابقة في الإسلام، لذلك سمّيت بالمخابرة.
ولمّا حان وقت الحصاد أرسل النبي · عبد الله بن رواحة لتقدير المحاصيل. (باب الخرص سنن أبي داود 28/2)
وكان عبد الله بن رواحة يقسّم المحاصيل قسمين، ثم يدعوهم فيقول لهم: خذوا أيهما شئتم، فكانوا يقولون بعدما رأوا منه من العدل والإنصاف ما أعجبهم: بفضل هذا العدل والإنصاف كان بقاء الأرض والسماوات. وفي رواية قال عبد الله بن رواحة:
يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إليّ، قتلتم أنبياء الله وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم.

تقسيم غنائم خيبر:

لم تكن بين مغانم خيبر الذهب والفضة، إنما كانت الأبقار والأغنام والإبل والمتاع، وكانت أعظمها أراضيها وبساتينها، فما كانت غير الأراضي والبساتين فقد قسّمها النبي · بين الغانمين في ضوء الآية القرآنية، أما الأراضي فقد قسّمها على أهل الحديبية.
أما عن كيفية تقسيمها، فقد ذكرها أبوداود في سننه، أن النبي · فرز الخمس منها، فما بقي من أراضيها قسمها ستا وثلاثين سهما، فرز منها ثمانية أسهم، أي جعلها في مصالح المسلمين، فلم يقسمها على الغانمين، وقَسَّم ثمانية عشر سهما الباقي على الغانمين، في كل سهم مائة نصيب، وزّعها على أهالي الحديبية كما أمره الله تعالى.
أما الأراضي التي لم يقسمها، وهي تشكل نصف مجموع أراضيها، فهي الكتيبة والوطيح والسلالم والأراضي المجاورة لها.
قسّم نصف أراضي خيبر على أهل الحديبية، منها الشق والنطاة وما جاورتها، هذا وفق ما أخرجه أبوداود عن سهل بن أبي خيثمة مع الوصل، وعن بشير بن يسار التابعي مرسلا.
وقال الإمام الطحاوي: لم يقسم النبي · جميع أراضي خيبر، إنما قسّم الشق والنطاة وما جاورتها على الغانمين، واحتفظ بالباقي لمصالح عموم المسلمين.
أما عن تقسيم ثمانية عشر سهما، فالروايات فيه مختلفة، ففي الرواية المشهورة كانوا ألفا وأربعمائة مقاتلين، بينهم مائتا فارس، فأربعة عشر سهما لألف وأربعمائة مقاتل، في كل سهم مائة مقاتل، وعند مالك والشافعي وأحمد للفرس سهمان، وبناءً عليه سهمان لمائتي فرس، وهكذا أربعة سهام مع أربعة عشر سهما يصير المجموع ثمانية عشر سهما.
وفي سنن أبي داود عن مجمع بن جارية رضي الله عنه أن عدد الغانمين في خيبر كان ألفا وخمسمائة، بينهم ثلاثمائة راكب، فأعطى النبي · لكل راكب سهمين، ولكل راجل سهما.
وهي رواية تُطابق مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فعنده للراكب سهمان، سهم لفرسه، وسهم له، ومثله رُوي عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما.
فباختصار، إن النبي · قسّم نصف أراضي خيبر على أهالي الحديبية، ولم يعط أحداً غيرهم، لكن الأحاديث تشير إلى أن النبي · أعطى منها أصحاب السفينة، وهم جعفر وأبو موسى الأشعري وغيرهم، وكانوا مائة عادوا من الحبشة.
ولم يتضح بعدُ أن الذي أعطاهم كان من الخُمس أم من الغنيمة، أو أعطاهم شيئا من الأموال التي يمكن نقلها من باب المساعدة، كما لا يُدري هل أعطاهم برأيه وباختياره، أم بعدما استأذن الغانمين. والله أعلم
كما شهدت خيبر عدد من النساء والعبيد بنية الخدمة والمساعدة، فأعطاهم من غنائم خيبر من باب الإعانة، ولم يعطهم شيئا من الأراضي مثل ما أعطى الرجال، كما يبدو ذلك مما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي.

قدوم أبي هريرة:

قدم أبو هريرة رضي الله عنه في جمع من الدوسيين إلى النبي · بعد فتح خيبر، فلم يعطهم شيئا من مغانمها. (صحيح البخاري، غزوة خيبر)

قصة السم:

أقام النبي · أياما بخيبر بعد الفتح، وفيها جاءت زينب بنت حارث زوجة سلام بن مشكم بشاة مشوية، وقدمها إلى النبي ·، وقد وضعت فيها السم، فلما تذوّقها النبي · امتنع عنها، وكان معه بشر بن البراء بن المعرور رضي الله عنه يأكل معه منها، فنهاه النبي · عن الأكل، وقال: فيها سم.
ثم استدعى زينب وسألها عنها، فأقرت بأنها وضعت السم فيها، وقالت: إن كنت نبيا صادقا أخبرك الله عنها، وإن كنت كاذبا استراح الناس منك، ولم يكن النبي · يكن ينتقم من أحد لنفسه، لذلك لم يتعرض لها، ثم مات بشر بن البراء بن المعرور مما أكل، فدُعيت زينب، ثم سلّمها لورثة بشر، فقتلوها قصاصا.
وفي رواية عند البيهقي أن زينب أسلمت بعدما اعترفت بالجريمة، وقالت: لقد وضح لي الآن صدقك، وأشهدك وأشهد جميع الحضور أنني على دينك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله. وأشار الزهري وسليمان إلى سبب عدم قتلها في البداية أنها كانت قد أسلمت.

رد منائح الأنصار

أي المهاجرون يعيدون إلى الأنصار بساتينهم:

لما هاجر المسلمون إلى المدينة، ولم يكن معهم شيء، أعانهم الأنصار بالأراضي والبساتين، وقالوا: انتفعوا منها وانفعونا.
ولمّا فتح الله خيبر على رسوله ·، أغناهم الله، فأرجعوا إلى الأنصار ما كانوا قد أخذوا منهم من الأراضي والبساتين.

مسائل وأحكام:

فيما يلي نسرد الأحكام والمسائل التي استنبطها الفقهاء من وقائع وحوادث غزوة خيبر.

(1) القتال في الشهر الحرام:

لقد سبق أن أشرنا إلى أن خروج النبي · لغزوة خيبر في شهر الله المحرم، فدلّ على أن القتال لا يُحرم فيه، أما الآيات والأحاديث التي تدل على منع القتال في الأشهر الحُرُم، فهي منسوخة، وللتوسع في الموضوع يُرجى مراجعة تفسير قوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} وقوله تعالى {منها أربعة حُرُم} من سورة التوبة.

(2) تقسيم الأراضي:

سبق أن أشرنا إلى أن النبي · لم يقسّم كافة أراضي خيبر على الغانمين، إنما التي شَمِلَها التقسيم كانت أراضي الشق والنطاة وما جاورتها، فيما احتفظ بأراضي الكتيبة والوطيح والسلالم وما جاورتها لمصالح المسلمين وحاجاتهم، فدلّ ذلك على أنه يجوز للأمير أن يفعل ما يشاء في الأراضي المفتوحة، إن شاء قسّمها على الغانمين، وإن شاء تركها لأهلها، وفرض عليهم الخراج، وبه قال الإمام أبو حنيفة ومالك وأبويوسف ومحمد وسفيان الثوري رحمهم الله تعالى.
وعند الشافعي يجب تقسيم كافة الأراضي المفتوحة مثل الأموال المنقولة على الغانمين، أما عن قصة خيبر فقد يأولونها بأن نصف أراضيها فُتحت عنوة، ونصفها فُتحت صُلحا، فما فُتحت عنوة قسمها النبي · بين الغانمين، وما فتح صلحا لم يقسمها. لكنها جميع الروايات تؤكّد على أن كافة أراضي خيبر فُتحت عنوة وبعد قتال عنيف وشاق، لأن اليهود ما نزلوا من حصونهم إلا بعدما عجزوا عن القتال، وتنازلوا عن ممتلكاتهم وسلطاتهم، رضوا بأن لا يكون لهم حق في أراضيهم وبساتينهم، يعملون فيها كما يعمل الأجير، أقرهم المسلمون عليها ما شاءوا، وأخرجهم منها متى شاءوا، فكانوا مجرد عمّال اُجراء، لا يمتلكون شيئا من الأرض والدار، وقد اشترط النبي · ذلك لمّا صالحهم بأنه سوف يستعيد منهم الأراضي متى شاء. وبناء عليه استعاد منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده كافة الأراضي، وأجلاهم خارج الدولة الإسلامية. دلّ ذلك على أن كافة أراضي خيبر فُتحت عنوة، ومعنى فُتح نصفها صلحا ليس معناها المصطلح عند أهل العلم، بل معناها أنهم في أول أمرهم قاتلوا المسلمين فانهزموا وتراجعوا واستسلموا وطلبوا وقف القتال وإجراء المحادثات، فهذا التوقف عبّر عنه بعض أهل العلم بالصلح، فقالوا نصف خيبر فُتحت عنوة، ونصفها فُتحت صلحا، وللتفصيل يُرجى مراجعة «إزالة الخفاء للشاه ولي الله» و«أحكام القرآن للجصاص» و«شرح معاني الآثار للطحاوي، باب ما يفعل الإمام بالأرض المفتوحة» و«تيسير القاري» وشرح شيخ الإسلام رحمهم الله تعالى.

(3) موانع خيبر:

لقد نهى النبي · يوم خيبر عن أمور وهي (1) لحوم الحُمُر الأهلية (2) بيع الغنائم قبل تقسيمها (3) الثوم (أي عن أكلها بدون طبخها) (4) لحوم الخيل (وفيه اختلاف الفقهاء) وللتفصيل يرجى مراجعة الزرقاني من صفحة 233/2 إلى 339/2.

(4) تحريم المتعة:

ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي · نهى عن متعة النساء يوم خيبر. كما صرّحت بذلك عدد من آيات القرآن الكريم، منها:
{والذين لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}.
ولاشك في أن مرأة المتعة ليست بزوجة ولا أمة عند الشيعة، فلا نفقة لها ولا شهادة ولا إعلان بها، ولا طلاق ولا لعان ولا ظهار ولا إيلاء ولا عدة ولا ميراث.
(2) وقال الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} ورد فيها تحديد عدد المنكوحات، فلا يجوز التجاوز على الأربع، لكن المتعة لا تحديد فيها بعدد معين.

(3) ولأن عند انتشار هذه العادة القبيحة لا تبقى حاجة إلى النكاح، لأن الناس لا ينكحون إلا لقضاء شهواتهم عادة، فإن توصلوا إليها بواسطة المتعة فما الحاجة إلى النكاح؟ (السيرة الحلبية وسيرة المصطفى).


3:11 ص

عمرة القضاء

عمرة القضاء

ذي القعدة الحرام سنة سبع من الهجرة

سبب تسميتها:

ويقال لها «عمرة القضيّة» أيضاً، والقضاء: الفصل. وكان النبي · قد قاضى قريشا أي صالح، لذلك سمّيت بعمرة القضاء، كما يقال لها عمرة الصلح وعمرة القصاص. (والسبب واضح)
وقال السهيلي رحمه الله: والأولى تسميتها بعمرة القصاص، لأن الله تعالى قال:
{الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} (الآية 194 سورة البقرة).

لها أربعة أسماء:

قال الحافظ ابن حجر: لها أربعة أسماء، وهي عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة الصلح وعمرة القصاص. (ومعنى عمرة القصاص : عمرة المقاصة والمعادلة، أي لمّا توجه النبي · إلى مكة ليعتمر، منعه المشركون منها) ولأنها كانت في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة، نفس الشهر الذي منعه المشركون من أداء العمرة قبل عام، وهو العام السادس من الهجرة. (فكانت قصاصاً وتعادلاً لها)

هل عمرة القضاء غزوة من غزوات الرسول   ·:

لم يتم عدّها ضمن الغزوات، أما الإمام البخاري رحمه الله فقد عدّها من الغزوات، وذلك لأن النبي · وأصحابه كانوا قد أخذوا اُهبة القتال، إذ لم يكن يأمن المشركين رُغم الهُدنة بينهم. ثانيا: لا يشترط للغزوة القتال، (إذ يكفي للغزوة أن يكون الخروج بنية القتال أو أن يأخذوا عُدّة الحرب لمواجهة خطر الحرب، لذلك قيل لهذه الرحلة: غزوة الأمن).

التوجّه نحو مكة:

وكانت من بنود الصلح يوم الحديبية أن يعود المسلمون هذا العام، ويعتمروا من القادم، ولا يقيموا بمكة أكثر من ثلاثة أيام، فلمّا أهل هلال ذي القعدة أمر أصحابه بالخروج لعمرة القضاء، التي منع عنها المشركون يوم الحديبية.

عدد أصحابه:

بلغ عدد الذين خرجوا مع النبي · في عمرة القضاء ألفين، وكان قد أمرهم النبي · عند الخروج أن لا يتخلف عنها أحد شهد الحديبية، فخرج الجميع غير الذين استشهدوا يوم خيبر أو وافتهم المنية خلال تلك الفترة، كما خرج معه آخرون لم يشهدوا الحديبية.
«تواترت الأخبار أنه · لما أهلّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأن لا يتخلف أحد منهم شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استُشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان. قال وتسمى أيضا عمرة الصلح». (فتح الباري 383/7)
ومن هنا عرفنا وجوب قضاء العمرة أو الحج من القادم إن منعه مانع، وبه قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله. وللتفصيل يُرجى مراجعة كتب الفقه.

الاستخلاف بالمدينة المنورة:

واستخلف أباذر الغفاري رضي الله عنه على المدينة لمّا خرج النبي · منها، وقيل: استخلف غيره من أصحابه. وساق ستون هديا، وهي البُدن في مصطلح الشرع، ثم قلّدها وأشعرها، بقطعة من جلد أو نعل وما إلى ذلك لتُعلم أنها هدي فلا يتعرض لها أحد، ودفعها إلى ناجية بن جندب رضي الله عنه الذي كان يسوقها.

السلاح من باب الحيطة والحذر:

وأخذ النبي · في هذا السفر عُدّة الحرب من السلاح والدروع والسيوف والرماح، وخرج معه مائة فارس، يرأسهم محمد بن مسلمة، أما السلاح فقد دفعها إلى بشير بن سعد.
وبما أن فيه مخالفة لبنود الصلح، لذلك قالوا:
يا رسول الله ... حملنا السلاح معنا، وقد عاهدنا المشركين أن لا نحمل معنا من السلاح إلا السيوف في أغمادها.
فقال النبي ·: لن ندخل الحرم مع السلاح بين أيديهم، لكنها تكون على مقربة منا، وفي متناول أيدينا، تحسباً للمفاجآت.

الركبان المسلمون والجماعة القريشية:

وتقدم محمد بن مسلمة مع كتيبة الفرسان، حتى إذا بلغ مرّ الظهران، لقيه بعض مشركي مكة، فسألوه عن الأحوال، فقال محمد بن مسلمة: إن النبي · سائر وراءنا، وسوف يصل إلى هنا صُبحة غد.

هلع المشركين وإرسال وفد إلى النبي   ·:

ولمّا رأى المشركون السلاح مع محمد بن مسلمة بكميات كبيرة هلعوا وأسرعوا إلى مكة، وأبلغوا المشركين أنهم لقوا خيلا من المسلمين معهم السلاح، فما أن سمعوا حتى فقدوا وعيهم، وقالوا : لم تصدر منّا من التصرفات ما تستدعي ذلك، ولم نخالف بنود الصلح، إننا موفون بالعهد، إلى انقضاء أجله، وما الذي حمل محمداً على محاربتنا؟
ثم بعثوا مكرز بن حفص في وفد من المشركين إلى رسول الله ·، فجاء وقال للنبي ·:
«ما سمعنا عنك تغدر منذ أن وُلدتَّ إلى يومنا هذا، وقد خرجت مع سلاحك وكراعك تقاتل قومك وتدخل الحرم، وأنك عاهدت أنك لا تخرج إلا والسيوف في أغمادها».
فقال النبي ·: لن أدخل معها مكة.
فقال مكرز: هذا ما نعرفه عنك من البر والوفاء والمحافظة على العهد.
ثم عاد مكرز سريعا إلى مكة، وأبلغهم أن محمدا · لا يدخل مكة مع السلاح، وأنه يحافظ على ما عاهدهم.

دخول النبي   · مكة:

ولما حان وقت دخول النبي · مكة، خرج منها زعماءها وسادتها وتوجهوا إلى رؤوس الجبال، إذ كانوا يأنفون أن يدخل النبي · مكة مع أصحابه يطوفون حول الكعبة.

دخول مكة:

أحرم النبي · وأصحابه بذي الحليفة، ثم توجهوا إلى مكة يلبون ويهللون ويكبرون، وكان من ضمن شروط الحديبية أن لا يحمل السلاح معه، لذلك تركها عند بطن ياجج، على بُعد ثمانية أميال من مكة، وأمر مائتي رجل بالمحافظة عليها، ثم تقدم مع أصحابه يلبّون. (الطبقات لابن سعد 87/2)
وكان عبد الله بن رواحة الذي كان قد أخذ زمام ناقته القصوى يرتجز ويقول:
   خلّوا بني الكفار عن سبيله    قد أنزل الرحمن في تنزيله
   بأن خير القتل في سبيــله    نحــن قتلناكم على تأويله
          كم قتلناكم على تنزيله
              (رواه عبد الرزاق عن أنس رضي الله عنه)
وعند البيهقي بزيادة:
   اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله
   ويزهل الخليل عن خليله يا رب إنى مـــؤمن بقيله
 وفي رواية ابن إسحاق:
   يا رب إني مؤمن بقيله    إني رأيت الحق في قبوله
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَرَمِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ.
(رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن غريب)
وفي رواية ابن سعد أن النبي · قال: أسمعُ يا عمر، وقال لعبد الله بن رواحة قل:
لا إله إلا الله وحده، نصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
وظل عبد الله بن رواحة وصحابة رسول الله · يرددونها حتى دخلوا مكة في عزّ وشهامة.

الطواف على الدابة والدخول في الكعبة:

ثم طاف النبي · حول الكعبة على ناقته، ثم استلم الحجر الأسود في عمقه، قيل: دخل النبي · الكعبة فبقي فيها حتى رفع بلال صوته بأذان الظهر، وقد أذّن بعدما صعد سطح الكعبة.

أقاويل قريش على المهاجرين:

صعدت جماعة من المشركين على جبل قينقاع، ثم أشرفت على المسلمين، فرأت النبي · والمسلمين يطوفون، (وقد رأوهم بعد مدة) فصاروا يتحدثون ويقولون:
أضناهم حمّى يثرب. وفي رواية : هؤلاء الذين قدموا عليكم أكلهم حمى يثرب.

الرمل لترويع المشركين:

أخبر الله تعالى نبيه عن أقاويل المشركين وتعليقاتهم، فقال لأصحابه:
«رَحِمَ اللّهُ امْرَأً أَرَاهُمْ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوّةً».
ثم أمر أصحابه بالرمل في أشواط الطواف الثلاثة، بأن يتخشب أثناء السير ويبرز الصدر، ليعلم المشركون أنهم أقوياء قادرون على إنزال الهزيمة بهم. (فلا يفرحوا بضعفهم الظاهري).
فلما رمل المسلمون وهرلوا، رآهم المشركون فقالوا:
«أهؤلاء الذين تقولون أضناهم حمّى يثرب، ألا ترون إلى قوتهم وجلدتهم، يثبون مثل الظباء».
ثم إن النبي · لم يأمر المسلمين بالرمل والهرولة في الأشواط السبعة شفقة عليهم، إنما أمرهم بذلك في الأشواط الثلاثة الأولى. (لأن ذلك قد يؤدى إلى إنهاك الرجل وإصابته بالإرهاق).
واضطبع النبي ·  وكشف كتفه اليمنى، ففعلوا مثله، ثم رمل وهرول. فكان أول رمل واضطباع في الإسلام.

تأدية مناسك العمرة:

ثم سعى النبي · بين الصفا والمروة، ثم أوقف الهدي بالقرب من المروة، ثم قال:
«نَحَرْتُ هَا هُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ».
ثم ذبح الهدي وحلق رأسه.
وفي كتاب الأمتاع أن معتمر بن عبد الله العدوي حلق رأسه ·.
وفعل مثله عامة المسلمين، فمن لم يسق بدنة، أضحى بالبقرة أو البعير، كل سبعة في بقرة أو بعير، ثم إن رجلا أتى ببقرة، فاشتراها بعض المسلمين.
ومن تحلل بعمرة وحلق رأسه، أمره النبي · ليقوم على السلاح، فيأتي مكانهم أولئك الذين كانوا قائمين عليها، وهكذا اعتمر الجميع.

قريش تطلب مغادرة مكة:

أقام النبي · ثلاثة أيام بمكة مع أصحابه، وفق شروط الصلح، فجاء إليه حويطب بن عبد العزى يرافقه سهيل بن عمرو. وقد أسلما فيما بعد، وطلبا منه · أن يغادر مكة.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثاً فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل في نفر من قريش في اليوم الثالث وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي الحجة.

العودة إلى المدينة:

ثم نادى منادي النبي · بالرحيل، فعاد إلى المدينة، ووصل المدينة في ذي الحجة، فأنزل الله تعالى هذه الآية:
{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)}.



3:06 ص

غزوة الحديبية


غزوة الحديبية

(غُرّة ذي القعدة الحرام سنة 6 من الهجرة)

الحديبية اسم بئر، وبالقرب منها تقع قرية اشتهرت بها، تبعد تسعة أميال من مكة المكرمة. قال المحب الطبري: معظم أجزائها في الحرم، والقليل منها في الحل.

رؤيا رسول الله   ·:

وسبب غزوة الحديبية كما أخرج ابن جرير والبيهقي عن عبد بن حميد قال: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ رَأَى فِي النّوْمِ أَنّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ وَحَلقَ رَأْسَهُ وَأَخَذَ مِفْتَاحَ الْبَيْتِ وَعَرّفَ مَعَ الْمُعَرّفِينَ فَاسْتَنْفَرَ أَصْحَابَهُ إلَى الْعُمْرَةِ فَأَسْرَعُوا وَتَهَيّئُوا لِلْخُرُوجِ. وبما أن شيئا من السنة والشهر لم يتم تحديده في الرؤيا، فكان من المحتمل أن يتحقق ذلك خلال هذه السنة.

تخلف المنافقين عن الخروج:

أخرج ابن سعد وغيره أنه لما عزم النبي · وأصحابه على تأدية مناسك العمرة، راودته شكوك حول موافقة قريش على السماح له بذلك، والأغلب أن ينتهي الأمر إلى مواجهة مسلحة، لذلك استنفر الأعراب حول المدينة ومن جاورهم، لكن كثيرا منهم اعتذروا، وقالوا: لا يريد محمد · وأصحابه إلا أن نُقاتل قريشا، الأكثر عدداً وعُدّة، إن خرجنا ما عُدنا سالمين غانمين.

الخروج إلى مكة:

أخرج الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وغيره أن النبي · اغتسل ولبس ثوبين جديدين، ثم ركب ناقته القصوى، تُرافقه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها، ومعه جمع عظيم من المهاجرين والأنصار والأعراب، يبلغ عددهم ألفاً وأربعمائة شخص، كما في أكثر الروايات. لم يكن أحد منهم يتردد في فتح مكة لما رأى النبي · في المنام، وما أخذوا من عُدّة الحرب سوى السيوف، وكان خروجهم يوم الإثنين غُرة ذي القعدة، وأحرموا بذي الحليفة.

استعداد أهل مكة للمواجهة:

ولمّا بلغ أهل مكة أن النبي · سائر إليهم على رأس جمع عظيم من أصحابه، اجتمعوا للمشاورة، وقالوا: إن تمكن محمد · من أداء مناسك العمرة مع أصحابه، مع ما بيننا وبينه من حروب، سمع به العرب، وجرّ العار لنا إلى الأبد، فلن نسمح له بذلك. فأرسلوا خالد بن الوليد (ولم يزل على دين قومه) على رأس جمع إلى موضع اسمه كُرّاع الغميم خارج مكة لمنع النبي · من دخول مكة، وانضم إليهم الأعراب المجاورون وبنو ثقيف من الطائف، فنزلوا في موضع اسمه بلداح، وتعاهدوا على منع النبي · من دخول مكة، وعلى محاربته.

عيون النبي   ·:

أرسل النبي · بُسر بن سفيان رضي الله عنه للاطلاع على نوايا قريش وتحركاتهم، فذهب وعاد وأخبر عما رأى من استعدادهم للقتال ومقاومة الرسول ·، فَقَالَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - : يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الإسْلامِ وَافِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوّةٌ فَمَا تَظُنّ قُرَيْشٌ ، فَوَاَللّهِ لا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الّذِي بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ ثُمّ قَالَ مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الّتِي هُمْ بِهَا ؟

شوق الصحابة للجهاد:

ثم جمع النبي · أصحابه وخطبهم، واستشارهم فيما يفعل؟ هل يتقدم نحو مكة أو يتقاتل العرب، خاصة أولئك الذين يصدّون طريقهم؟ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَالَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ نَرَى يَا رَسُولَ اللّهِ أَنْ نَمْضِيَ لِوَجْهِنَا فَمَنْ صَدّنَا عَنْ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ.
قَالَ فَقَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ لا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلا إنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ . وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ سِرْت إلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَك مَا بَقِيَ مِنّا رَجُلٌ.
فأمرهم النبي · بالمسير إلى مكة، فلما وصل قريبا منها، رآه خالد بن الوليد يتقدم نحو مكة، فولّى النبي · وجوه صفوف المجاهدين باتجاه المسجد الحرام، وقدّم عبّاد بن بشر على رأس كتيبة، فاصطفت في مواجهة جنود خالد بن الوليد.

مشروعية صلاة الخوف:

وَدَنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِ حَتّى نَظَرَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَصَفّ خَيْلَهُ فِيمَا بَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَهِيَ فِي مِائَتَيْ فَرَسٍ وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَتَقَدّمَ فِي خَيْلِهِ فَقَامَ بِإِزَائِهِ فَصَفّ أَصْحَابَهُ .
قَالَ دَاوُدُ فَحَدّثَنِي عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ فَحَانَتْ صَلَاةُ الظّهْرِ فَأَذّنَ بِلالٌ وَأَقَامَ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقِبْلَةَ وَصَفّ النّاسَ خَلْفَهُ يَرْكَعُ بِهِمْ وَيَسْجُدُ ثُمّ سَلّمَ فَقَامُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ التّعْبِيَةِ . فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : قَدْ كَانُوا عَلَى غِرّةٍ ، لَوْ كُنّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ لأَصَبْنَا مِنْهُمْ وَلَكِنْ تَأْتِي السّاعَةَ صَلاةٌ هِيَ أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ قَالَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاةَ فَلْتَقُمْ} الآيَةَ . قَالَ فَحَانَتْ الْعَصْرُ فَأَذّنَ بِلَالٌ وَأَقَامَ فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُوَاجِهًا الْقِبْلَةَ وَالْعَدُوّ أَمَامَهُ وَكَبّرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَبّرَ الصّفّانِ جَمِيعًا . ثُمّ رَكَعَ وَرَكَعَ الصّفّانِ جَمِيعًا ، ثُمّ سَجَدَ فَسَجَدَ الصّفّ الّذِي يَلِيهِ وَقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُ . فَلَمّا قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّجُودَ بِالصّفّ الأَوّلِ وَقَامُوا مَعَهُ سَجَدَ الصّفّ الْمُؤَخّرُ السّجْدَتَيْنِ ثُمّ اسْتَأْخَرَ الصّفّ الّذِي يَلُونَهُ وَتَقَدّمَ الصّفّ الْمُؤَخّرُ فَكَانُوا يَلُونَ رَسُولَ [ ص 583 ] اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَامُوا جَمِيعًا ، ثُمّ رَكَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَكَعَ الصّفّانِ جَمِيعًا ، ثُمّ سَجَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَجَدَ الصّفّ الّذِي يَلُونَهُ وَقَامَ الصّفّ الْمُؤَخّرُ يَحْرُسُونَهُ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوّ فَلَمّا رَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأْسَهُ مِنْ السّجْدَتَيْنِ سَجَدَ الصّفّ الْمُؤَخّرُ السّجْدَتَيْنِ اللّتَيْنِ بَقِيَتَا عَلَيْهِمْ وَاسْتَوَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَالِسًا فَتَشَهّدَ ثُمّ سَلّمَ عَلَيْهِمْ . فَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ هَذِهِ أَوّلُ صَلاةٍ صَلاهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخَوْفِ .

النزول بالحديبية:

انحرف النبي · إلى الحديبية سيرا على طريق مختلف عمّا كان عليه، فلمّا أراد أن يتوجه إلى مكة بركت ناقته فلم تقم، فأرادوا أن تقوم لكنها لم تقم، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء، فقال النبي ·: ما هذا شأنها، حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده ما دعتني قريش إلى تعظيم شعيرة من شعائر الله تعالى إلا أجبتها، ثم رفّع الناقة فقامت حتى جاءت الحديبية فنزل بها النبي ·، وكان الحر شديداً، والماء شحيحاً، فنزعوا ما وجدوا في الحفرة من ماء، واشتكوا إلى النبي · ما يعانون منه من شح الماء، فأخذ النبي · سهما من كنانته، وغرزه في الحفرة، حتى فار الماء وسقى الجند أكمله.

إرسال السفراء:

وَكَانَ أَوّلَ مَنْ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى قُرَيْشٍ خِرَاشُ بْنُ أُمَيّةَ الْكَعْبِيّ عَلَى جَمَلٍ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُقَالُ لَهُ الثّعْلَبُ لِيُبَلّغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا جَاءَ لَهُ . وَيَقُولَ إنّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ مَعَنَا الْهَدْيُ مَعْكُوفًا ، فَنَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَنُحِلّ وَنَنْصَرِفُ . فَعَقَرُوا جَمَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاَلّذِي وَلِيَ عَقْرَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ مَنْ هُنَاكَ مِنْ قَوْمِهِ حَتّى خَلّوا سَبِيلَ خِرَاشٍ فَرَجَعَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يَكَدْ فَأَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا لَقِيَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ ابْعَثْ رَجُلًا أَمْنَعَ مِنّي فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ لِيَبْعَثَهُ إلَى قُرَيْشٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي ، قَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي لَهَا ، وَلَيْسَ بِهَا مِنْ بَنِي عَدِيّ مَنْ يَمْنَعُنِي ، وَإِنْ أَحْبَبْت يَا رَسُولَ اللّهِ دَخَلْت عَلَيْهِمْ . فَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَيْئًا . قَالَ عُمَرُ وَلَكِنْ أَدُلّك يَا رَسُولَ اللّهِ عَلَى رَجُلٍ أَعَزّ بِمَكّةَ مِنّي ، وَأَكْثَرَ عَشِيرَةً وَأَمْنَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ . فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَالَ اذْهَبْ إلَى قُرَيْشٍ فَخَبّرْهُمْ أَنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، وَإِنّمَا جِئْنَا زَوّارًا لِهَذَا الْبَيْتِ مُعَظّمِينَ لِحُرْمَتِهِ مَعَنَا الْهَدْيُ نَنْحَرُهُ وَنَنْصَرِفُ فَخَرَجَ عُثْمَانُ حَتّى أَتَى بَلْدَحَ ، فَيَجِدُ قُرَيْشًا هُنَالِكَ فَقَالُوا : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ إلَيْكُمْ يَدْعُوكُمْ إلَى اللّهِ.
وَيَقُولُونَ قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ وَلَا كَانَ هَذَا أَبَدًا ، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً فَارْجِعْ إلَى صَاحِبِك فَأَخْبِرْهُ أَنّهُ لَا يَصِلُ إلَيْنَا . فَقَامَ إلَيْهِ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، فَرَحّبَ بَهْ وَأَجَازَهُ وَقَالَ لَا تُقَصّرْ عَنْ حَاجَتِك ثُمّ نَزَلَ عَنْ فَرَسٍ كَانَ عَلَيْهِ فَحَمَلَ عُثْمَانَ عَلَى السّرْجِ وَرَدَفَهُ وَرَاءَهُ فَدَخَلَ عُثْمَانُ مَكّةَ ، فَأَتَى أَشْرَافَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا ، أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْهُمْ مَنْ لَقِيَ بِبَلْدَحٍ وَمِنْهُمْ مَنْ لَقِيَ بِمَكّةَ ، فَجَعَلُوا يَرُدّونَ عَلَيْهِ إنّ مُحَمّدًا لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا أَبَدًا قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ثُمّ كُنْت أَدْخُلُ عَلَى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مُسْتَضْعَفِينَ فَأَقُولُ إنّ رَسُولَ اللّهِ يُبَشّرُكُمْ بِالْفَتْحِ وَيَقُولُ أُظِلّكُمْ حَتّى لَا يَسْتَخْفِي بِمَكّةَ الْإِيمَانُ فَقَدْ كُنْت أَرَى الرّجُلَ مِنْهُمْ وَالْمَرْأَةَ تَنْتَحِبُ حَتّى أَظُنّ أَنّهُ يَمُوتُ فَرَحًا بِمَا خَبّرْته ، فَيَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَيُخْفِي الْمَسْأَلَةَ وَيَشْتَدّ ذَلِك [ عَلَى ] أَنْفُسِهِمْ وَيَقُولُونَ اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ مِنّا السّلَامَ إنّ الّذِي أَنَزَلَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَقَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَهُ بَطْنَ مَكّةَ.
وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَصَلَ عُثْمَانُ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَظُنّ عُثْمَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَنَحْنُ مَحْصُورُونَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ [ ص 602 ] وَمَا يَمْنَعُهُ وَقَدْ وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ ؟ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ظَنّي بَهْ أَلّا يَطُوفَ حَتّى نَطُوفَ فَلَمّا رَجَعَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا : اشْتَفَيْت مِنْ الْبَيْتِ يَا عَبْدَ اللّهِ قَالَ عُثْمَانُ بِئْسَ مَا ظَنَنْتُمْ بِي لَوْ كُنْت بِهَا سَنَةً وَالنّبِيّ مُقِيمٌ بِالْحُدَيْبِيَةِ مَا طُفْت ، وَلَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إلَى أَنْ أَطُوفَ فَأَبَيْت ذَلِكَ عَلَيْهَا . فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللّهِ كَانَ أَعْلَمَنَا بِاَللّهِ تَعَالَى وَأَحْسَنِنَا ظَنّا.

المناوشات بين أهل مكة والمسلمين وأسر سبعين مشركا:

وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ يَتَحَارَسُونَ اللّيْلَ وَكَانَ الرّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَبِيتُ عَلَى الْحَرَسِ حَتّى يُصْبِحَ يُطِيفُ بِالْعَسْكَرِ فَكَانَ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَنَاوَبُونَ الْحِرَاسَةَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيّ وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ وَمُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ . فَكَانَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَلَى فَرَسِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةً مِنْ تِلْكَ اللّيَالِي وَعُثْمَانُ بِمَكّةَ بَعْدُ وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعَثَتْ لَيْلًا خَمْسِينَ رَجُلًا ، عَلَيْهِمْ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ ، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يُطِيفُوا بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجَاءَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ أَحَدًا أَوْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ غِرّةً ، فَأَخَذَهُمْ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَصْحَابُهُ فَجَاءَ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ عُثْمَانُ بِمَكّةَ قَدْ أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا يَدْعُو قُرَيْشًا ، وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ دَخَلُوا مَكّةَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَهْلِيهِمْ فَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ عُثْمَانَ وَأَصْحَابَهُ قَدْ قُتِلُوا ، فَذَلِكَ حِينَ دَعَا إلَى الْبَيْعَةِ . وَبَلَغَ قُرَيْشًا حَبْسُ أَصْحَابِهِمْ فَجَاءَ جَمْعٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ حَتّى تَرَامَوْا بِالنّبْلِ وَالْحِجَارَةِ وَأَسَرُوا أَيْضًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ حِينَئِذٍ أَسْرَى.

بيعة الرضوان:

فلما بلغ النبي · مقتل عثمان حزِن حزنا شديدا، وقال: لن أبرح من مكاني هذا حتى آخذ ثأره، وثار المسلمون يبايعون على يديه تحت الشجرة، وهي السمرة، بايعوا على الجهاد والموت ما أحيوا.
ثُمّ إنّ قُرَيْشًا بَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى وَمِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمئِذٍ يَؤُمّ مَنَازِلَ بَنِي مَازِنِ بْنِ النّجّارِ وَقَدْ نَزَلَتْ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ [ ص 603 ] الْحُدَيْبِيَةِ جَمِيعًا . قَالَتْ أُمّ عُمَارَةَ وَالرّسْلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ ، فَمَرّ بِنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمًا فِي مَنْزِلِنَا . قَالَتْ فَظَنَنْت أَنّهُ يُرِيدُ حَاجَةً فَإِذَا هُوَ قَدْ بَلَغَهُ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَدْ قُتِلَ فَجَلَسَ فِي رِحَالِنَا ثُمّ قَالَ إنّ اللّهَ أَمَرَنِي بِالْبَيْعَةِ . قَالَتْ فَأَقْبَلَ النّاسُ يُبَايِعُونَهُ فِي رِحَالِنَا حَتّى تَدَارَكَ النّاسُ فَمَا بَقِيَ لَنَا مَتَاعٌ إلّا وَطِئَ وَزَوْجُهَا غَزِيّةُ بْنُ عَمْرٍو . وَقَالَتْ فَبَايَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ يَوْمئِذٍ . قَالَتْ فَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَلَبّسُوا السّلَاحَ وَهُوَ مَعَنَا قَلِيلٌ إنّمَا خَرَجْنَا عُمّارًا ، فَأَنَا أَنْظُرُ إلَى غَزِيّةَ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ تَوَشّحَ بِالسّيْفِ فَقُمْت إلَى عَمُودٍ كُنّا نَسْتَظِلّ بَهْ فَأَخَذْته فِي يَدِي ، وَمَعِي سِكّينٌ قَدْ شَدَدْته فِي وَسَطِي ، فَقُلْت : إنْ دَنَا مِنّي أَحَدٌ رَجَوْت أَنْ أَقْتُلَهُ . فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمئِذٍ يُبَايِعُ النّاسَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُمْ عَلَى أَلّا يَفِرّوا . وَقَالَ قَائِلٌ بَايَعَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ . وَيُقَالُ أَوّلُ النّاسِ بَايَعَ سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانِ بْنِ مِحْصَنٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أُبَايِعُك عَلَى مَا فِي نَفْسِك . فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُبَايِعُ النّاسَ عَلَى بَيْعَةِ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ.
وفي صحيح مسلم أن سلمة بن الأكوع بايع ثلاث مرات، في الأول ثم في الوسط ثم في الأخير، فلما بايع الجميع، ضرب النبي · يده اليسرى على يده اليمنى، وقال: هذه من عثمان. (رواه البخاري)
وعند الزرقاني أن اليد اليمنى كانت من النبي ·، واليسرى من عثمان، وكان عثمان يتذكرها ويقول: يمين النبي · كانت أفضل من يساري.
وسمّيت هذه البيعة ببيعة الرضوان، التي ذكرها الله تعالى في سورة الفتح:
{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19)}.

ذعر المشركين:

ثم ظهر للمسلمين أن خبر قتل عثمان لم يكن صحيحا، وأن المشركين اُرعبوا من مبايعة المسلمين على الموت. فقاموا بالمراسلة للصلح.
قَالُوا : فَلَمّا اطْمَأَنّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ جَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ وَرَكْبٌ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهُمْ عَيْبَةُ نُصْحِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتِهَامَةَ ، مِنْهُمْ الْمُسْلِمُ وَمِنْهُمْ الْمُوَادِعُ لَا يُخْفُونَ عَلَيْهِ بِتِهَامَةَ شَيْئًا ، فَأَنَاخُوا رَوَاحِلَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ جَاءُوا فَسَلّمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ بُدَيْلٌ جِئْنَاك مِنْ عِنْدِ قَوْمِك ، كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ وَعَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ، قَدْ اسْتَنْفَرُوا لَك الْأَحَابِيشَ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ - النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ - يُقْسِمُونَ بِاَللّهِ لَا يُخَلّونَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَتّى تَبِيدَ خَضْرَاؤُهُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، إنّمَا جِئْنَا لِنَطُوفَ بِهَذَا الْبَيْتِ فَمَنْ صَدّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ وَقُرَيْشٌ قَوْمٌ قَدْ أَضَرّتْ بِهِمْ الْحَرْبُ وَنَهَكَتْهُمْ فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتهمْ مُدّةً يَأْمَنُونَ فِيهَا ، وَيُخَلّونَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ النّاسِ وَالنّاسُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَإِنْ ظَهَرَ أَمْرِي عَلَى النّاسِ كَانُوا بَيْنَ أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النّاسُ أَوْ يُقَاتِلُوا وَقَدْ جَمَعُوا وَاَللّهِ لَأَجْهَدَنّ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي أَوْ يُنْفِذَ اللّهُ أَمْرَهُ.
فَوَعَى بُدَيْلٌ مَقَالَتَهُ وَرَكِبَ ثُمّ رَكِبُوا إلَى قُرَيْشٍ ، وَكَانَ فِي الرّكْبِ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَاَللّهِ لَا تُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ يَعْرِضُ هَذَا أَبَدًا ، حَتّى هَبَطُوا عَلَى كُفّارِ قُرَيْشٍ . فَقَالَ نَاسٌ مِنْهُمْ هَذَا بُدَيْلٌ وَأَصْحَابُهُ إنّمَا جَاءُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتَخْبِرُوكُمْ فَلَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ حَرْفٍ وَاحِدٍ فَلَمّا رَأَى بُدَيْلٌ وَأَصْحَابُهُ أَنّهُمْ لَا يَسْتَخْبِرُونَهُمْ قَالَ بُدَيْلٌ إنّا جِئْنَا مِنْ عِنْدِ مُحَمّدٍ ، أَتُحِبّونَ أَنْ نُخْبِرَكُمْ ؟ قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَالْحَكَمُ بْنُ الْعَاصِ : لَا وَاَللّهِ مَا لَنَا حَاجَةٌ بِأَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ وَلَكِنْ أَخْبِرُوهُ عَنّا أَنّهُ لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا عَامَهُ هَذَا أَبَدًا حَتّى لَا يَبْقَى مِنّا رَجُلٌ .
فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ : وَاَللّهِ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رَأْيًا أَعْجَبَ وَمَا تَكْرَهُونَ أَنْ تَسْمَعُوا مِنْ بُدَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ ؟ فَإِنْ أَعْجَبَكُمْ أَمْرٌ قَبِلْتُمُوهُ وَإِنْ كَرِهْتُمْ شَيْئًا تَرَكْتُمُوهُ لَا يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا أَبَدًا وَقَالَ رِجَالٌ مِنْ ذَوِي رَأْيِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ : أَخْبِرُونَا بِاَلّذِي رَأَيْتُمْ وَاَلّذِي سَمِعْتُمْ . فَأَخْبَرُوهُمْ بِمَقَالَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّتِي قَالَ وَمَا عَرَضَ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ الْمُدّةِ فَقَالَ عُرْوَةُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْش ٍ تَتّهِمُونَنِي ؟ أَلَسْتُمْ الْوَالِدَ وَأَنَا الْوَلَدُ ؟ وَقَدْ اسْتَنْفَرْت أَهْلَ عُكَاظٍ لِنَصْرِكُمْ فَلَمّا بَلّحُوا عَلَيّ نَفَرْت إلَيْكُمْ بِنَفْسِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَالُوا : قَدْ فَعَلْت فَقَالَ وَإِنّي نَاصِحٌ لَكُمْ شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ لَا أَدّخِرُ عَنْكُمْ نُصْحًا ، وَإِنّ بُدَيْلًا قَدْ جَاءَكُمْ بِخُطّةِ رُشْدٍ لَا يَرُدّهَا أَحَدٌ أَبَدًا إلّا أَخَذَ شَرّا مِنْهَا ، فَاقْبَلُوهَا مِنْهُ وَابْعَثُونِي حَتّى آتِيَكُمْ بِمِصْدَاقِهَا مِنْ عِنْدِهِ وَأَنْظُرَ إلَى مَنْ مَعَهُ وَأَكُونَ لَكُمْ عَيْنًا آتِيكُمْ بِخَبَرِهِ . فَبَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَقْبَلَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ [ ص 595 ] عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ أَقْبَلَ حَتّى جَاءَهُ ثُمّ قَالَ يَا مُحَمّدُ إنّي تَرَكْت قَوْمَك ، كَعْبَ بْنَ لُؤَيّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيّ عَلَى أَعْدَادِ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ قَدْ اسْتَنْفَرُوا لَك أَحَابِيشَهُمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَهُمْ يُقْسِمُونَ بِاَللّهِ لَا يُخَلّونَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَتّى تَجْتَاحَهُمْ . وَإِنّمَا أَنْتَ مِنْ قِتَالِهِمْ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ أَنْ تَجْتَاحَ قَوْمَك ، وَلَمْ نَسْمَعْ بِرَجُلٍ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَك ; أَوْ بَيْنَ أَنْ يَخْذُلَك مَنْ نَرَى مَعَك ، فَإِنّي لَا أَرَى مَعَك إلّا أَوْبَاشًا مِنْ النّاسِ لَا أَعْرِفُ وُجُوهَهُمْ وَلَا أَنْسَابَهُمْ .
فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَقَالَ اُمْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ أَنَحْنُ نَخْذُلُهُ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ أَمَا وَاَللّهِ لَوْلَا يَدٌ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا بَعْدُ لَأَجَبْتُك.
فَطَفِقَ عُرْوَةُ وَهُوَ يُكَلّمُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَمَسّ لِحْيَتَهُ - وَالْمُغِيرَةُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّيْفِ عَلَى وَجْهِهِ الْمِغْفَرُ - فَطَفِقَ الْمُغِيرَةُ كُلّمَا مَسّ لِحْيَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَرَعَ يَدَهُ وَيَقُولُ اُكْفُفْ يَدَك عَنْ مَسّ لِحْيَةِ رَسُولِ اللّهِ قَبْلَ أَلّا تَصِلَ إلَيْك فَلَمّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ غَضِبَ عُرْوَةُ فَقَالَ لَيْتَ شِعْرِي مَنْ أَنْتَ يَا مُحَمّدُ مَنْ هَذَا الّذِي أَرَى مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِك ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا ابْنُ أَخِيك الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ . وهنا عرف ابن أخيه.
فَلَمّا فَرَغَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَدّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا قَالَ لِبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَأَصْحَابِهِ وَكَمَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُدّةِ رَكِبَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ يَا قَوْمِ إنّي قَدْ وَفَدْت عَلَى الْمُلُوكِ عَلَى كِسْرَى وَهِرَقْلَ وَالنّجَاشِيّ ، وَإِنّي وَاَللّهِ مَا رَأَيْت مَلِكًا قَطّ أَطْوَعَ فِيمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ مِنْ مُحَمّدٍ فِي أَصْحَابِهِ وَاَللّهِ مَا يُشِدّونَ إلَيْهِ النّظَرَ وَمَا يَرْفَعُونَ عِنْدَهُ الصّوْتَ وَمَا يَكْفِيهِ إلّا أَنْ يُشِيرَ إلَى أَمْرٍ فَيُفْعَلَ وَمَا يَتَنَخّمُ وَمَا يَبْصُقُ إلّا وَقَعَتْ فِي يَدَيْ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَمْسَحُ بِهَا جِلْدَهُ وَمَا يَتَوَضّأُ إلّا ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ أَيّهُمْ يَظْفَرُ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَقَدْ حَزَرْت الْقَوْمَ وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ السّيْفَ بَذَلُوهُ لَكُمْ وَقَدْ رَأَيْت قَوْمًا مَا يُبَالُونَ مَا يُصْنَعُ بِهِمْ إذَا مَنَعُوا صَاحِبَهُمْ وَاَللّهِ لَقَدْ رَأَيْت [ ص 599 ] نُسَيّاتٍ مَعَهُ إنْ كُنّ لَيُسْلِمُنّهُ أَبَدًا عَلَى حَالٍ فَرُوا رَأْيَكُمْ وَإِيّاكُمْ وَإِضْجَاعَ الرّأْيِ وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطّةً فَمَادّوهُ يَا قَوْمِ اقْبَلُوا مَا عَرَضَ فَإِنّي لَكُمْ نَاصِحٌ مَعَ أَنّي أَخَافُ أَلّا تُنْصَرُوا عَلَيْهِ رَجُلٌ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ مُعَظّمًا لَهُ مَعَهُ الْهَدْيُ يَنْحَرُهُ وَيَنْصَرِفُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : لَا تَكَلّمْ بِهَذَا يَا أَبَا يَعْفُورٍ لَوْ غَيْرُك تَكَلّمَ بِهَذَا لَلُمْنَاهُ وَلَكِنْ نَرُدّهُ عَنْ الْبَيْتِ فِي عَامِنَا هَذَا وَيَرْجِعُ إلَى قَابِلٍ .
لم يصرّح عروة بنبوة رسول الله ·، لكنه أشار إلي الحال الذي رآه عليه أنه ليس إلا حال الأنبياء والمرسلين.
قَالُوا : ثُمّ جَاءَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ فَلَمّا طَلَعَ وَرَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ هَذَا رَجُلٌ غَادِرٌ فَلَمّا انْتَهَى إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَلّمَهُ بِنَحْوٍ مِمّا كَلّمَهُ أَصْحَابُهُ فَلَمّا انْتَهَى إلَى قُرَيْش ٍ أَخْبَرَهُمْ بِمَا رَدّ عَلَيْهِ . فَبَعَثُوا الْحُلَيْسَ بْنَ عَلْقَمَةَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ الْأَحَابِيشِ - فَلَمّا طَلَعَ الْحُلَيْسُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يُعَظّمُونَ الْهَدْيَ وَيَتَأَلّهُونَ ابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتّى يَرَاهُ . فَبَعَثُوا الْهَدْيَ فَلَمّا نَظَرَ إلَى الْهَدْيِ يَسِيلُ فِي الْوَادِي عَلَيْهِ الْقَلَائِدُ قَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ يُرَجّعُ الْحَنِينَ . وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ فِي وَجْهِهِ يُلَبّونَ قَدْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ قَدْ تَفِلُوا وَشَعِثُوا ، رَجَعَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إعْظَامًا لِمَا رَأَى ، حَتّى رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ إنّي قَدْ رَأَيْت مَا لَا يَحِلّ صَدّهُ رَأَيْت الْهَدْيَ فِي قَلَائِدِهِ قَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ مَعْكُوفًا عَنْ مَحِلّهِ وَالرّجَالَ قَدْ تَفِلُوا وَقَمِلُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهَذَا الْبَيْتِ أَمَا وَاَللّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ وَلَا عَاقَدْنَاكُمْ [ ص 600 ] عَلَى أَنْ تَصُدّوا عَنْ بَيْتِ اللّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظّمًا لِحُرْمَتِهِ مُؤَدّيًا لِحَقّهِ وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخَلّنّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ . أَوْ لَأَنْفِرَنّ بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَالُوا : إنّمَا كُلّ مَا رَأَيْت مَكِيدَةٌ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَاكْفُفْ عَنّا حَتّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا بَعْضَ مَا نَرْضَى بِهِ .
ثُمّ جَاءَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ فَلَمّا طَلَعَ وَرَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ هَذَا رَجُلٌ غَادِرٌ فَلَمّا انْتَهَى إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَلّمَهُ بِنَحْوٍ مِمّا كَلّمَهُ أَصْحَابُهُ فَلَمّا انْتَهَى إلَى قُرَيْش ٍ أَخْبَرَهُمْ بِمَا رَدّ عَلَيْهِ.

مقدم سهيل بن عمرو وعقد الصلح:

ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا عامر بن لؤي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليصالحه على أن يرجع عنهم عامه ذلك، فأقبل سهيل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأطال معه الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهم الصلح، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، فقال: اكتب باسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو - فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال لعلي: امح رسول الله. فقال: لا أمحوك أبداً. فأخذه رسول الله، صلى الله عليه وسلم وليس يحسن يكتب فكتب موضع رسول الله: محمد بن عبد الله، وقال لعلي: لتبلين بمثلها -

بنود الصلح:

(1) اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين.
(2) وأنه من أتى منهم رسول الله بغير إذن وليه رده إليهم ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله لم يردوه عليه.
(3) ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش.
(4) ولا يحمل أحد على آخر السيف، ولا يغدر أحد بآخر.
(5) وأن يرجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عنهم عامه ذلك، فإذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثاً.
(6) وسلاح الراكب السيوف في القرب.

اضطهاد أبي جندل:

فبينا النبي، صلى الله عليه وسلم، يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل ابن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان أصحاب النبي لا يشكون في فتح الرؤيا رآها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل أخذه وقال: يا محمد قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت، وأخذه ليرده إلى قريش، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني ! فزاد الناس شراً إلى ما بهم، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد أعطينا القوم عهودنا على ذلك فلا نغدر بهم. قال: فوثب عمر بن الخطاب يمشي مع أبي جندل ويقول له: اصبر واحتسب فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب ! وأدنى قائم السيف منه رجاء أن يأخذه فيضرب به أباه، قال: فبخل الرجل بأبيه.
وشهد على الصلح جماعة من المسلمين فيهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وجماعة من المشركين.
وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَكْرَهُونَ الصّلْحَ لِأَنّهُمْ خَرَجُوا لَا يَشُكّونَ فِي الْفَتْحِ لِرُؤْيَا رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ حَلَقَ رَأْسَهُ وَأَنّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ ، فَأَخَذَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ ، وَعَرَفَ مَعَ الْمُعْرِفِينَ فَلَمّا رَأَوْا الصّلْحَ دَخَلَ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتّى كَادُوا يَهْلِكُونَ.
قَالُوا : فَلَمّا اصْطَلَحُوا فَلَمْ يَبْقَ إلّا الْكِتَابُ وَثَبَ عُمَرُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلَى قَالَ فَعَلَامَ نُعْطِي الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنَا عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ وَلَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ وَلَنْ يُضَيّعَنِي فَذَهَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي بَكْر ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْر ٍ ، أَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ بَلَى فَقَالَ عُمَرُ : فَلِمَ نُعْطِي الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْزَمْ غَرْزَهُ فَإِنّي أَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ وَأَنّ الْحَقّ مَا أَمَرَ بِهِ وَلَنْ نُخَالِفَ أَمْرَ اللّهِ وَلَنْ يُضَيّعَهُ اللّهُ وَلَقِيَ عُمَرُ مِنْ الْقَضِيّةِ أَمْرًا كَبِيرًا ، وَجَعَلَ يَرُدّ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْكَلَامَ وَيَقُولُ عَلَامَ نُعْطِي الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ أَنَا رَسُولُ اللّهِ وَلَنْ يُضَيّعَنِي قَالَ فَجَعَلَ يَرُدّ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْكَلَامَ . قَالَ يَقُولُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ : أَلّا تَسْمَعَ يَا ابْنَ الْخَطّابِ رَسُولَ اللّهِ يَقُولُ مَا يَقُولُ ؟ تَعَوّذْ بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ وَاتّهِمْ رَأْيَك قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَجَعَلْت أَتَعَوّذُ بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ حِيَاءً فَمَا أَصَابَنِي [ ص 607 ] قَطّ شَيْءٌ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَا زِلْت أَصُومُ وَأَتَصَدّقُ مِنْ الّذِي صَنَعْت مَخَافَةَ كَلَامِي الّذِي تَكَلّمْت يَوْمئِذٍ . فَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ لِي عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ وَذَكَرَ الْقَضِيّةَ : ارْتَبْت ارْتِيَابًا لَمْ أَرْتَبْهُ مُنْذُ أَسْلَمْت إلّا يَوْمئِذٍ وَلَوْ وَجَدْت ذَلِكَ الْيَوْمَ شِيعَةً تَخْرُجُ عَنْهُمْ رَغْبَةً عَنْ الْقَضِيّةِ لَخَرَجْت . ثُمّ جَعَلَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَاقِبَتَهَا خَيْرًا وَرُشْدًا ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْلَمَ .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ : جَلَسْت عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَوْمًا ، فَذَكَرَ الْقَضِيّةَ فَقَالَ لَقَدْ دَخَلَنِي يَوْمئِذٍ مِنْ الشّكّ وَرَاجَعْت النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمئِذٍ مُرَاجَعَةً مَا رَاجَعْته مِثْلَهَا قَطّ ، وَلَقَدْ عَتَقْت فِيمَا دَخَلَنِي يَوْمئِذٍ رِقَابًا ، وَصُمْت دَهْرًا ، وَإِنّي لَأَذْكُرُ مَا صَنَعْت خَالِيًا فَيَكُونُ أَكْبَرَ هَمّي ، ثُمّ جَعَلَ اللّهُ عَاقِبَةَ الْقَضِيّةِ خَيْرًا ، فَيَنْبَغِي لِلْعِبَادِ أَنْ يَتّهِمُوا الرّأْيَ وَاَللّهِ لَقَدْ دَخَلَنِي يَوْمئِذٍ مِنْ الشّكّ حَتّى قُلْت فِي نَفْسِي : لَوْ كُنّا مِائَةَ رَجُلٍ عَلَى مِثْلِ رَأْيِي مَا دَخَلْنَا فِيهِ أَبَدًا فَلَمّا وَقَعَتْ الْقَضِيّةُ أَسْلَمَ فِي الْهُدْنَةِ أَكْثَرَ مِمّنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْ يَوْمِ دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَمَا كَانَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ أَعْظَمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ .
وما حصل من عمر بن الخطاب من قلق واضطراب لم يكن بنية الإساءة أو التطاول على الرسول ·، بل دفعه إليه فرط حبه لرسول الله وحبه للمسلمين، لأن المشركين حصلوا على امتيازات كثيرة في هذا الصلح باعتبار الظاهر، ونبي الله · لم يكن يقاضي إلا بأمر من السماء، وما أخفى الله فيه للمسلمين من رفعة وعاقبة حسنة لم تدركها إلا من وهبه الله بصيرة ثاقبة، وبما أن الحقائق لم تظهر على بقية المسلمين لذلك اندهش عمر، ولمّا أدرك أن ظاهر الصلح فيه إهانة بالمسلمين ورسولهم، وأن كِفّةَ المشركين راجحة، تحوّلت دهشته إلى القلق والاضطراب، حتى أتى النبي ·، وكلّمه فيما عرض له، ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على فرط حبه لرسول الله ·.
وعلى كل حال، لم تكن مراجعة عمر للنبي · من باب التطاول أو الإساءة، إنما دفعه إليه فرط حبه له ·، وقد أثر ذلك، ولم يفارقه طول حياته، فكان يتوب إلى الله ويستغفره.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَكْتُبُ هَذَا قَالَ نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا.
(ثم إن أحداً من المسلمين لم يفر من المدينة إلى مكة)

إبرام الصلح والأمر بالعودة:

وباختصار اتفق الجانبان على البنود المذكورة، ثم أثبتا توقيعهما عليه.
فلما فرغ النبي، صلى الله عليه وسلم، من قضيته قال: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فما قام أحد حتى قال ذلك مراراً، فلما لم يقم أحد منهم دخل على أم سلمة فذكر لها ذلك، فقالت: يا نبي الله اخرج ولا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتحلق شعرك، ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. فما فتح في الإسلام قبله فتح كان أعظم منه، حيث أمن الناس كلهم فدخل في الإسلام تينك السنتين مثل ما دخل فيه قبل ذلك وأكثر.
جزى الله خيرا أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها فقد حلّت المعضلة، ودفع عنه · ما كان يجده في قلبه، إن كان ما أشارت عليه إحدى ابنتي شعيب عليه السلام صحيحا وصائبا فقد كان ما أشارت عليه أم المؤمنين رضي الله عنها صائبا وداعيا للخير والبركة.

نزول البشارة:

أقام النبي · بالحديبية أسبوعين، ثم قفل إلى المدينة، فلما بلغ ما بين مكة والمدينة، نزلت عليه سورة الفتح: {إنّا فتحنا لك فتحا مبينا} إلى آخرة السورة.
فدعا النبي · أصحابه، وأسمعهم هذه السورة، كانوا يظنون الصلح هزيمة لهم، وقد سمّاه الله تعالى بالفتح المبين، فتحيّروا، وقالوا : أفتح هو يا رسول الله؟ فقال: نعم ، والذي نفسي بيده إنه لفتح عظيم. (رواه أحمد وأبو داود والحاكم)

ثمار الصلح:

قال الزهري: لم يكن فتح في الإسلام مثل صلح الحديبية، كانت الحروب تمنعهم من اللقاء وتبادل الأخبار، وقد ساد الأمن والاستقرار بفضل الصلح، ومن كان خائفا من إظهار إسلامه بات يعلنه ويعمل به، واندفعت الشحناء والبغضاء، ووجدوا فرصة لتبادل الآراء، ومناقشة القضايا الهامة، وسمعوا القرآن، حتى كان الذين أسلموا بعد الصلح أكثر ممن آمن من يوم دعا النبي · إلى الإسلام.
والإسلام ليس إلا منبع المكارم والمحاسن، إليه يعود الخير كله، وكان صحابة رسول الله · خير نماذج للفضيلة والرفعة والحسنة، لم تدركها عيون ملئها العناد والنفور والبغض والحقد.
وبعد إبرام الصلح انقشعت تلك الأستار التي كانت تحجب نور الإسلام عن الأنظار، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا.
قبل الصلح كان ينطبق على المشركين قوله {ولكن لا يشعرون} فلم يدركوا نور الإسلام والمسلمين، فلما ابتعدت مشاعر الاشمئزاز والنفور عن القلوب، عاد إليهم وعيهم، وأدركوا أنوار وجوه أهل الحق.

أبو بصير يدبر له مخرجا:

فلما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة جاءه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي، وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة، فكتب فيه الأزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق وبعثا فيه رجلاً من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قد علمت أنا قد أعطينا هؤلاء القوم عهداً ولا يصلح الغدر في ديننا. فانطلق معهما إلى ذي الحليفة فجلسوا، وأخذ أبو بصير سيف أحدهما فقتله به وخرج المولى سريعاً إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقتل صاحبه، ثم أقبل أبو بصير فقال: يا رسول الله قد وفت ذمتك وأنجاني الله منهم. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ويل امه مسعر حرب لو كان له رجال ! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج أبو بصير حتى نزل بناحية ذي المروة على ساحل البحر على طريق قريش إلى الشام.

أبو بصير يعسكر بالساحل والمشركون لا حيلة لهم:

وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة ذلك فخرجوا إلى أبي بصير، منهم أبو جندل، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً، فضيقوا على قريش يعترضون العير تكون لهم، فأرسلت قريش إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يناشدونه الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وكان النبي · قد أملى الكتاب لأبي بصير، ولما وصل كتابُه إلى أبي بصير كان يفارق الدنيا، فدفعوا الكتاب إليه، فكان يقرأه ويفرح، حتى قُبض، والكتاب على صدره.
فكفّنه أبو جندل بن سهيل ودفنه في الموضع الذي قُبض، وبنى به مسجدا، ثم عاد إلى المدينة مع أصحابه.
ولمّا بلغ سهيل بن عمرو مقتل الرجل الذي قتله أبو بصير، وكان من قومه، أراد أن يطلب ديته من رسول الله ·، فقال أبو سفيان: لم يغدر محمد فلا دية عليه، وقد دفعه إلى من بعثتموه إليه، لم يقتله أبو بصير بأمر محمد، إنما قتله بنفسه، فكيف تطلبون ديته من قومه وعشيرته، إذ هو ليس على دينهم.

عدم جواز إرجاع النساء:

وبعد الصلح إن لحق به رجل، أرجعه إلى مكة حسب بنود الصلح، فلحقت به عدد من النساء، فأرسل المشركون إلى النبي · أن أرسلهن إلينا، لكن الله أنزل عليه الوحي، ومنعه · من إرجاعهن، وأوضح أن الإرجاع كان خاصا بالرجال دون النساء. ففي ألفاظ بعض الروايات «لا يأتيه رجل إلا ..» والرجل لا يشمل المرأة، والمشركون أرادوا إدخال المرأة ضمنهم، فنزل قوله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)} (الممتحنة، الآية 10-11).

أنواع الصلح وأحكامه:

(1) يجوز لملك المسلمين وأميرهم ولذوي الرأي منهم مصالحة المشركين إن كان فيها منفعة للإسلام والمسلمين. قال الله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله}.
(2) ولا يجوز إن لم تكن فيها منفعة للإسلام والمسلمين، ومع ضغطة، إذ فيها إهانة للمسلمين وازدراء لهم، وتعطيل لفريضة الجهاد. قال الله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم}.
أي لا يجوز الصلح مع الكفار مع القدرة على الجهاد، ومعنى الصلح ترك القتال وليس التوحّد مع المشركين، ولذلك استعمل الفقهاء لفظ «الموادعة» ومعناها: التخلي عن القتال.
(3) لا مانع من أخذ المال أو دفعه إليهم للصلح أو بدون مال عند الحاجة ، كما صالح النبي · اليهود بعدما هاجر إلى المدينة، ولم يأخذ منهم شيئا من المال، وهذا الصلح الذي اشتهر بصلح الحديبية كان بدون مال، وصالح النبي · نصارى نجران على مال، ويوم الأحزاب أراد النبي · أن يصالح عيينة بن حصن الفزاري بنصف تمر المدينة، والقصة بتفاصيلها سبقت في غزوة الأحزاب. فدل على جواز الصلح بالطرق الثلاثة.
(4) والأولى كتابة الصلح إن اتفق المسلمون والمشركون على أجل.
(5) يجب إعداد نسختين من كتاب الصلح، وليحتفظ كل فريق بإحداهما.
(6) وليُوقّع عليهما زعماء الجانبين ووُجهاءهم.
(7) يعتبر مخالفة بنود الصلح غدراً وخيانة، لذلك أعاد النبي · أبا جندل وأبا بصير إلى المشركين وقال لهما: لقد أعطيناهم العهد فلا نغدر.
(9) إن صالح أحد ملوك أو رؤساء المسلمين مع قوم، لا يجب على بقية ملوك المسلمين المحافظة عليه.
أما معسكر أبي بصير وأبي جندل فكان خارجا عن حدود المدينة المنورة، والذي فعله كان خارج الحدود، ولم يأمره النبي · بما فعل.
(9) ما من امرأة أسلمت ثم هاجرت من دار الكفر إلى دار الإسلام، إلا انفسخ نكاحها مع زوجها المشرك، كما ينفسخ نكاح الرجل مع امرأته إن أسلم ثم هاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام.
(10) {لا تمسكوا بعصم الكوافر} أي سرّحوهن ولا تقيموا معهن روابط النكاح، إذ لا يجوز لمسلم أن يرتبط بمشركة بنكاح.
(11) قصة الحديبية دلت على فضل أبي بكر الصديق وكماله باعتبارين، الأول: باعتبار طمأنينته ووعدم قلقه واضطرابه واغتمامه مثل بقية الصحابة. الثاني: لم يقل أبو بكر لعمر لمّا اشتكى إليه إلا ما قاله النبي ·، ولم تختلف ألفاظهما.
(12) لمّا أمر النبي · بالنحر والحلق، وتريّث فيه الصحابة، استشار أم المؤمنين أم سلمة، فأشارت عليه بأن يخرج وينحر هديه ويحلق رأسه. وفيه دلالة على جواز استشارة النساء، شريطة أن يأمنها الرجل في دينها وإيمانها وفهمها وذكاءها وأمانتها.

فضل البيعة:

كلمة «البيعة» مشتقة من «البيع» ومعناه استبدال البضائع بالأموال، وفي مصطلح الشريعة: بيع الرجل نفسه لله عوضا عن الجنة يسمّى بيعة، فالمبيع نفس الإنسان، والثمن الجنة، البائع إنسان، والله المشتري. ومن المعروف أن المبيع يخرج من يد البائع وينتقل إلى المشتري بعد نقد الثمن، حتى يتصرف فيه كما يشاء، كذلك المؤمن بعد البيعة لا يمتلك نفسه، فالواجب عليه أن لا يتصرف فيها من عنده.
والبيعة لا تكون مع الله مباشرة، إنما تنعقد بواسطة أنبياءه ورسله وورثتهم، فصحابة رسول الله · بايعوا النبي ·، ولكنها كانت بيعة مع الله، وكان النبي · وكيلا وكفيلا.
قال الله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم}.
والأصل في البيع والشراء أن المبيع إن كان معيوبا، يخيّر المشتري في رده على البائع واسترداد ثمنه، وهذا ما يسمّى بخيار العيب في مصطلح الشرع، أما إن قال المشتري وقت العقد: رضيت به، فلا خيار له، ولا يجوز له استرداد الثمن بإرجاع المبيع إلى البائع، والصحابة رضي الله عنهم لما بايعوا تحت الشجرة، أنزل الله تعالى هذه الآية: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}.
وبعدما أعلن الله بما أعلن كأنه أسقط خيار العيب، وأن العقد قد اُبرم، يدخلهم الله جناته، وتقبل منهم أنفسهم وأرواحهم، فلا انفساخ لها لأحد، ومن جهة ثانية أبدى الصحابة فرحهم وسعادتهم على البيعة.. {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.
وبما أن موافقة الجانبين قد تحققت، لذلك نجز العقد، أما بيعة غيرهم من الناس فهي مهددة بالخطر، إذ يمكن ردها لعيب، ومن يكون أشقى ممن أقدم على نقضها بنفسه، كما جاء أعرابي إلى النبي ·، وقال: أقلني بيعتي.
إن أقدم على البيعة بقلب صادق، مثل قلوب الصحابة، وبالرضا الذي يغمر قلوب الصحابة، فإننا نرجو الله تعالى أن يقبلها بفضله ورحمته كما قبل من الصحابة يوم بيعة الرضوان.

وباختصار..

لقد رضي الله عن الصحابة الذين بايعوا النبي ·، وأنزل السكينة والطمأنينة في قلوبهم، ووعدهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة، كما قال الله تعالى:
{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا، ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما}.
وأطلق كلمة «الفوز العظيم» على البيعة في سورة التوبة، كما قال: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم}.
لقد ثبت عن رسول الله · أنه كان يبايع الناس على الإسلام أو الهجرة أو ترك المناكير، أو عدم الإشراك بالله، أو على أن لا يزني ولا يسرق، ولا يبهتّ، ولا يعصي الله، أو على أن يعبد الله، ويقيم الصلوات الخمسة، ويؤتي الزكاة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينصح لكل مسلم، أو على طاعة الأمير والوالي ما لم يأمرا بمعصية الله، أو على عدم التسوّل، أو على البرّ بالوالدين، وغيرها كثير من الأمور، ثبت ذلك بالآيات والأحاديث.
(13) وفي ضرب النبي · يساره على يمينه عن عثمان بن عفان دليل على جواز البيعة الغائبة.
(14) بايع سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، فدل على استحباب تجديد وتكرار البيعة.
(15) لقد أعلن الله رضوانه عن كل من شهد البيعة يوم الحديبية، ولم يقيد، كما قال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم} فيها إشارة إلى إخلاص نياتهم. ثم قال: {فأنزل السكينة عليهم} فيها بيان لطمأنينة قلوبهم، بأن القلق والاضطراب لم يقترب منهم. ولاشك أن من رضى الله عنه، وأنزل السكينة على قلبه، فليس بمنافق الآن، ولا يمكن أن يرتد فيما تأتي من الأيام، وقد ورد كثير من فضلهم في الأحاديث، فقد أخرج أحمد في مسنده عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
كما دل قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم} على إخلاص نياتهم، وأنهم كانوا مرضيّين عند الله.
ليقرأ أعداء الصحابة قوله {فعلم ما في قلوبهم} بكل تأنّ ، وليُدركوا مدى الإخلاص الذي كانوا يتحلّون به، ودقّة الكلمات التي عبّر الله تعالى بها وضعهم الإيماني، لم يكن عملهم هذا بناء على التقية، إذ لو كان لما خفي على ربهم، إنما كان بغاية الإخلاص وصدق النيّة. ولا يبقى احتمال التقية بعد التصريح بلفظ {فعلم ما في قلوبهم} لأن الله سبحانه وتعالى شهد على إخلاص نياتهم، فلا مجال للنفاق والتقية. ثم قال {وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة} وبه امتد الكلام إلى بعيد، ليشمل فتح خيبر و{مغانم كثيرة} الفتوح الأخرى، وهذا الوعد كان مع أولئك المخلصين، ودلت الآية على أن الذين تم تقسيم المغام المذكورة عليهم، كانوا من عباد الله المخلصين المرضيّين عنده.

فتح كبير وثورة نفسية:

روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ليس في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية، لكن الناس لا يدركون تلك الحقائق التي كانت بين النبي · وبين ربه، خُلق الإنسان من عجل، ولا يستعجل الله لاستعجال عباده، فلا تظهر إلا في وقتها.
ولقد رأيت سهيل بن عمرو بعدما أسلم واقفا بالمنحر، يناول النبي · الهدي فيذبحها النبي · بيده، ثم طلب سهيل بن عمرو الحلاق ليحلق رأس النبي ·، فرأيت سهيل بن عمرو لا يسقط شيء من شعر رسول الله · إلا أخذه ووضعه على عينيه، فكنتُ أتذكر معاملته القاسية مع رسول الله · يوم الحديبية، إذ كتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم، فلم يقبله وأمر بمحوه، ثم لما كتب الكاتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ثم طلب محوه، حتى محاه النبي · بيده، فتذكرتُ تلك الوقائع، وشكرت الله الذي وفّقه للإسلام. (سيرة المصطفى والسيرة الحلبية ومعارف القرآن)